بِمَا اتَّصَلَ بِهِ مِنْ الدُّسُومَاتِ لَجُوِّزَ بَيْعَهُ كَالدُّسُومَاتِ النَّجِسَةِ , وَلَكِنَّ الدَّبْغَ إصْلَاحٌ لَهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَعْصِمُهُ عَنْ النَّتْنِ , وَالْفَسَادِ , فَكَانَ جَائِزًا شَرْعًا , وَلَا مَعْنَى لِمَا قَالَ إنَّ هَذَا إفْسَادٌ فِي الْحَالِ لِمَا يُلْقَى فِيهِ ; لِأَنَّ هَذَا مَوْجُودٌ فِي دَبْغِ الْجِلْدِ , فَإِنَّهُ إفْسَادٌ لِمَا يُجْعَلُ فِيهِ مِنْ الشَّبِّ , وَالْقَرَظِ , وَهَذَا إصْلَاحٌ بِاعْتِبَارِ مَآلِهِ , وَالْعِبْرَةُ لِلْمَآلِ لَا لِلْحَالِ , فَإِنَّ إلْقَاءَ الْبَذْرِ فِي الْأَرْضِ يَكُونُ إتْلَافًا لِلْبَذْرِ فِي الْحَالِ , وَلَكِنَّهُ إصْلَاحٌ بِاعْتِبَارِ مَآلِهِ , وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ التَّخْلِيلَ لَيْسَ بِتَصَرُّفٍ فِي الْخَمْرِ عَلَى قَصْدِ تَمَوُّلِ الْخَمْرِ بَلْ هُوَ إتْلَافٌ لِصِفَةِ الْخَمْرِيَّةِ , وَبَيْنَ تَمَوُّلِ الْخَمْرِ , وَإِتْلَافِ صِفَةِ الْخَمْرِيَّةِ مُنَافَاةٌ , فَمَا كَانَ الِاقْتِرَابُ مِنْ الْعَيْنِ لِإِتْلَافِ صِفَةِ الْخَمْرِيَّةِ إلَّا نَظِيرَ الِاقْتِرَابِ مِنْهَا لِإِرَاقَةِ الْعَيْنِ , وَذَلِكَ جَائِزٌ شَرْعًا , وَنَحْنُ نُسَلِّمُ أَنَّ تَقْلِيبَ الطِّبَاعِ لَيْسَ إلَى الْعِبَادِ , وَإِنَّمَا إلَيْهِمْ إحْدَاثُ الْمُجَاوَرَةِ , وَلَكِنَّ إحْدَاثَ الْمُجَاوَرَةِ بَيْنَ الْخَلِّ وَالْخَمْرِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ يَقْوَى عَلَى إتْلَافِ صِفَةِ الْخَمْرِيَّةِ بِتَحَوُّلِهَا إلَى طَبْعِ الْحِلِّ فِي أَسْرَعِ الْأَوْقَاتِ , فَكَانَ هَذَا أَقْرَبُ إلَى الْجَوَازِ مِنْ الْإِمْسَاكِ , وَإِذَا جَازَ الْإِمْسَاكُ إلَى أَنْ يَتَخَلَّلَ , فَالتَّخْلِيلُ , أَوْلَى بِالْجَوَازِ , وَأَمَّا إذَا أَلْقَى فِيهِ شَيْئًا مِنْ الْحَلَاوَةِ , فَذَلِكَ لَيْسَ بِإِتْلَافٍ لِصِفَةِ الْخَمْرِيَّةِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ طَبْعِ الْخَمْرِ أَنْ يَصِيرَ حُلْوًا , فَعَرَفْنَا أَنَّ مَعْنَى الشِّدَّةِ , وَالْمَرَارَةِ قَائِمٌ فِيهِ , وَإِنْ كَانَ لَا يَظْهَرُ لِغَلَبَةِ الْحَلَاوَةِ عَلَيْهِ , فَأَمَّا مِنْ طَبْعِ الْخَمْرِ أَنْ يَصِيرَ خَلًّا , فَيَكُونُ التَّخْلِيلُ إتْلَافًا لِصِفَةِ الْخَمْرِيَّةِ كَمَا بَيَّنَّا , يُوَضِّحُهُ أَنَّ مِنْ وَجْهٍ , فَعَلَيْهِ إحْدَاثُ الْمُجَاوَرَةِ , وَمِنْ وَجْهٍ إتْلَافٌ لِصِفَةِ الْخَمْرِيَّةِ كَمَا قُلْنَا , فَيُوَفِّرُ حَظَّهُ عَلَيْهِمَا , فَيَقُولُ لِاعْتِبَارِ جَانِبِ إحْدَاثِ الْمُجَاوَرَةِ لَا يَحِلُّ بِإِلْقَاءِ شَيْءٍ مِنْ الْحَلَاوَاتِ فِيهِ , وَلِاعْتِبَارِ جَانِبِ إتْلَافِ صِفَةِ الْخَمْرِيَّةِ يَحِلُّ التَّخْلِيلُ. فَأَمَّا مَا رُوِيَ مِنْ النَّهْيِ عَنْ التَّخْلِيلِ , فَالْمُرَادُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ الْخَمْرُ اسْتِعْمَالَ الْخَلِّ بِأَنْ يُؤْتَدَمَ بِهِ , وَيُصْطَبَغَ بِهِ , وَهُوَ نَظِيرُ مَا رُوِيَ ﴿أَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام نَهَى عَنْ تَحْلِيلِ الْحَرَامِ , وَتَحْرِيمِ الْحَلَالِ , وَأَنْ تُتَّخَذَ الدَّوَابُّ كَرَاسِيَّ﴾ , وَالْمُرَادُ الِاسْتِعْمَالُ {, وَلَمَّا نَزَلَ قوله تعالى ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قَالَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ رضي الله عنه مَا عَبَدْنَاهُمْ قَطُّ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَلَيْسَ كَانُوا يَامُرُونَ , وَيَنْهَوْنَ , فَيُطِيعُونَهُمْ؟ قَالَ: نَعَمْ , فَقَالَ عليه الصلاة والسلام: هُوَ ذَاكَ} قَدْ فَسَّرَ الِاتِّخَاذَ بِالِاسْتِعْمَالِ , وَفِي حَدِيثِ أَبِي طَلْحَةَ ذَكَرَ بَعْضُ الرُّوَاةِ , ﴿أَفَلَا أُخَلِّلُهَا؟ قَالَ نَعَمْ﴾ , وَإِنْ صَحَّ مَا رُوِيَ , فَإِنَّمَا نَهَى عَنْ التَّخْلِيلِ فِي الِابْتِدَاءِ لِلزَّجْرِ عَنْ الْعَادَةِ الْمَالُوفَةِ , فَقَدْ كَانَ يَشُقُّ عَلَيْهِمْ الِانْزِجَارُ عَنْ الْعَادَةِ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ , فَأَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِإِرَاقَةِ الْخُمُورِ , وَنَهَى عَنْ التَّخْلِيلِ لِذَلِكَ كَمَا أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي الزَّجْرِ عَنْ الْعَادَةِ الْمَالُوفَةِ فِي اقْتِنَاءِ الْكِلَابِ , ثُمَّ كَانَ لَا يَامَنُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَعِفُّوا فِي خُمُورِ الْيَتَامَى إذْ لَمْ يَبْقَ بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ مِنْ الْخَمْرِ , فَأَمَرَ فِي خُمُورِ الْيَتَامَى أَيْضًا بِالْإِرَاقَةِ لِلزَّجْرِ , وَالْوَاجِبُ عَلَى الْوَصِيِّ الْمَنْعُ مِنْ إفْسَادِ مَالِ الْيَتِيمِ لَا إصْلَاحُ مَا فَسَدَ مِنْهُ. (أَلَا تَرَى) أَنْ شَاةَ الْيَتِيمِ إذَا مَاتَتْ لَا يَجِبُ عَلَى الْوَصِيِّ دَبْغُ جِلْدِهَا , وَإِنْ كَانَ لَوْ فَعَلَهُ جَازَ , فَكَذَلِكَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّخْلِيلُ , وَإِنْ كَانَ لَوْ فَعَلَهُ كَانَ جَائِزًا إذَا ثَبَتَ جَوَازُ التَّخْلِيلِ , فَكَذَلِكَ جَوَازُ اتِّخَاذِ الْمُرَبَّى مِنْ الْخَمْرِ بِإِلْقَاءِ الْمِلْحِ , وَالسَّمَكِ
الفرق بين طغاة الكفار وطغاة المسلمين · الصفحة ١٨٤
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
الفرق بين طغاة الكفار وطغاة المسلمينص ١٨٤
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي