وكم كان من السهل، أثناء نقل مثل تلك الأخبار من فم لآخر، أن تُسرق النظريات والاكتشافات، ولكن الأمانة العلميّة منعت هذا؛ فكان مألوفاً أن نسمع من أستاذ علاّمة:" أخبرني يحيى بن عيسى أنه سمع من أبي بكر البغدادي كيف شرح سعيد بن ياقوت في إحدى محاضراته أنّ "... ومن يرغب من المعلّمين أن يحاضر عن كتاب لغيره، وجب عليه أن يحصل أولاً على إجازة من مؤلف هذا الكتاب. ولم يكن لأحد أن يأخذ آراء أستاذه، التي ألقاها شفوياً في إحدى محاضراته، ليُدرِّسها لتلاميذه دون أن يستأذن أستاذه صاحب الرأي نفسه. وكان راوي الشعر، مثلاً، تلميذاً للشاعر ينقل عنه أشعاره بموافقته واختياره،... ومن يحصل على هذا الإذن يملك حق تدريس ما صُرِّح له به. وبذلك كان حفظ حق المؤلف مَرعياً مقدساً، ورِثَته الجامعات الغربيّة عن المدارس العربيّة العليا.
لقد قدّم العرب للغرب نموذجاً حياً لإعداد المتعلمين لمهن الحياة العامة وللبحث العلمي، وذلك عن طريق جامعاتهم التي بدأت تزدهر منذ القرن التاسع، والتي جذبت إليها، منذ عهد البابا سلفستروس الثاني، عدداً من الغربيين من جانبي جبال البرانس، وظل هذا العدد يتزايد حتى صار تياراً فكرياً دائماً. لقد قدّمت تلك الجامعات، بدرجاتها العلمية وتقسيمها إلى كليات واهتمامها بطرق التدريس، للغرب أروع الأمثال. ولم تُقدّم هذا المظهر فقط بل وفّرت له كذلك مادّة الدراسة.