تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من يتجول في شوارع روما القديمة، مثلاً، ويتأمل تماثيل القديسين والعظماء، التي تنتشر في الشوارع والساحات، يدرك بأنّ الحضارة التي أنجبت هذه المدينّة هي حضارة ذات جذور وثنيّة تقدّس الصنم وتُعلي من قيمة الوثن. والمتأمل لهذه التماثيل يدرك أيضاً بأنّ هذه الحضارة تُقدّم القيم الجماليّة على القيم الأخلاقيّة. أما من يسير في شوارع القدس القديمة، وساحات المسجد الأقصى المبارك، فإنّه لا بد أن يلاحظ أنّ الحضارة الإسلاميّة هي حضارة مُوَحِّدة، تُعلي من شأن الفكرة وتحط من قيمة الوثن، ويَلحظ أنها تُقدّم القيم الأخلاقيّة على القيم الجماليّة، ويلحظ ذلك بشكل أوضح في عالم الأزياء وعالم الفنون والآداب.

... الثقافة إذن هي التي تعطي كل حضارة طعمها الخاص وبالتالي خصوصيتها، وهي أساس الالتقاء والاختلاف بين الحضارات والأمم. وعليه فيمكننا كمسلمين أن ننهل من معين العلم من كافة مصادره وموارده، أما في عالم الثقافة فلدينا ثقافة متميزة ومتفوقة على غيرها من الثقافات المعاصرة، أساسها التوحيد، وهي تعلي من قيمة الفكرة وتنبذ الصنميّة والوثنيّة، وتُقدّم القيم الأخلاقيّة ولا تتنكر للقيم الجماليّة، بل تسمو بها. وهي ثقافة متوازنة ومتناسقة، إنسانيّة الأهداف والوسائل، تعلي من قيمة الإنسان، عالميّة الأهداف أخلاقيّة الوسائل.

إنّ قوة الحضارة الغربيّة المعاصرة تكمن في الجانب العلمي والتكنولوجي، في حين يتجلّى ضعفها في الجانب الثقافي وفي حضارتها التي تتدلى بالإنسان. وإنّ في انهيار الماركسيّة لمثل واضح على أنّ ثقافة الإنسان وقيمه ومبادئه هي الأساس في نهضة الحضارات أو تراجعها. في المقابل نجد أنّ الضعف في مجتمعاتنا العربيّة والإسلاميّة يكمن في الجانب العلمي والتكنولوجي الذي يسهل تداركه، ويساعدنا في ذلك عناصر القوة الكامنة في ثقافتنا المتفوقة ومبادئنا السامية.

الفكرالعربي الإسلامي · الصفحة ٢١٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الفكرالعربي الإسلاميص ٢١٧