وإني أتذكر وهو يعمل في مزرعته بكل جد ونشاط ، وأنا وأخي خالد نلعب ونمرح هنا وهناك .. نسقي الزرع معه .. ونطعم الماشية ونرعاها .. وبالطبع كل هذا بعد المذاكرة ، فأبي كان حريصاً على أن نكون من المتفوقين في دراستنا .
وتمر السنين ويأخذ أخي خالد الشهادة الابتدائية بكل تفوق وامتياز .
أما أنا فكنت في الصف الثالث الابتدائي ، فلم يكن بيني وبين أخي خالد سوى ثلاثة أعوام .
كان خالد نعم الابن البار بوالديه .. فقد كان أبي يحبه حباً لا يجارى وكذلك أمي فكم كانت أخلاقه عظيمة مع صغر سنه حتى إنه اشتهر عند جميع أهل القرية بأخلاقه الحسنة ، فكان يحترم الكبير ويرحم الصغير ويساعد أهل القرية في استصلاح مزارعهم ورعي ماشيتهم .
أيضاً مع صغر سنه كان ذا أسلوب لبق لا يعرف تلك الألفاظ النابية التي يتداولها عادة الأطفال فيما بينهم ، فهو يترفع عن مثل تلك الكلمات ، وقد تجده بين إخوانه الطلاب يساعد هذا ويشرح لذاك .
وكان طبيعياً أن يأخذ كل سنة جائزة المدرسة للطالب المثالي ، فهو معروف لدى الأساتذة بأدبه وذكائه وتعاونه مع الآخرين ، وقبل ذلك كله كان محافظاً على الصلاة .
وحقيقة كانت أخلاقه أكبر من أن توصف مقارنة بصغر سنه . فأنا كنت أحبه وأحترمه وأقدره .
رأى أبي أنه من الأفضل أن يرحل من القرية أسوة بمن سبقوه .. فهذا هو الوقت المناسب لرحيله ، لأنه يريد أن يوفر لنا حياة أفضل ، بعد أن أصبحنا معه وأمي خمسة إخوة ، أنا وخالد ، ومريم ، وسلمى ، وخولة .. بالإضافة إلى أن خالداً قد أخذ الشهادة الابتدائية ، وقريتنا لا يوجد بها متوسطة ، وأبي يريد أن يكمل خالد دراسته إلى أن يتخرج ، وهذا مما زاد من إصرار أبي على الرحيل من القرية .
رحلنا إلى مدينة (( ...... )) وهي تعتبر مدينة زراعية ، حيث يوجد فيها مشروعات زراعية عظيمة .. التحق أبي بأحد المشاريع التي تقوم في زراعتها على " البيوت المحمية "