وفي ذلك يقول تعالى : ﴿ مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ ﴾ [ الحشر : 5 ] . فقالت قريظة : إنك تنهي عن الفساد، فما بالك تأمر بقطع الأشجار ؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية مؤيداً لفعل رسوله ، وأن بقاءها أو حرقها ، كله بإذن الله ورضاه .
قال ابن عمر كما في الصحيح : حرَّق رسول الله نخل بني النضير ، وقطع ، وهي البويرة .
وفي هذا قال حسان :
وهان على سراة بني لؤي ………
حريقٌ بالبويرة مستطيرُ
فأجابه أبو سفيان بن الحارث :
أدام الله ذلك من صنيع ... وحرق في جوانبها السعيرُ
ستعلم أينا منها بُنزهٍ ... وتعلم أي أرضنا نضيرُ
واشتد البلاء والتنكيل على بني النضير من كل مكان ، وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله ، فسلط عليهم الرعب ، ودبَّ فيهم الهلع واعتزلتهم قريظة ، وخانهم ابن سلول رأس المنافقين ، فشبه الله حالهم :
﴿ كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ﴾ [ الحشر : 16 ] .
عندها أرسلوا إلى رسول الله (نحن نخرج عن المدينة) فأخرجهم على أن لهم ما حملت الإبل إلا السلاح ، وحقن دماءهم .
فبدأوا بالرحيل يحملون أمتعتهم حتى إنهم كسروا أبواب البيوت كلها التي استحسنوها لحملها وكان المؤمنون يخربونها لكي يتسع القتال لهم مدة الحصار .
فهذا معنى قوله ﴿ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [ الحشر : 2 ].
ثم خرجوا مدحورين صاغرين إلى أذرعات الشام ، وهي أرض المحشر وهذا المراد بقوله ﴿ لأَوَّلِ الْحَشْرِ ﴾ .
قال تعالى ﴿ وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ ﴾ [ الحشر : 3 ] . والجلاء : هو خروجهم من المدينة إلى الشام .