تدمرت الحديقة واسودت ، وهؤلاء اللئام لا يشعرون ، عازمين على تنفيذ لؤمهم وبخلهم ﴿ فَتَنَادَوا مُصْبِحِينَ أَنْ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَارِمِينَ فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ ﴾ [ القلم : 21 - 24 ] .
تنادوا للذهب صباحاً مبكرين لجذها ، وأخفوا سراً بينهم ، أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين ، أي يقول بعضهم : لا تمكنوا اليوم فقيراً يدخلها ، واندفعوا وهم في حالة من الغيظ والحقد على المساكين ﴿ وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ ﴾ [ القلم : 25 ] .
وصل هؤلاء الأبناء إلى الحديقة ، فما صدقوا ما رأوا ! رأوا حديقة سوداء مدلهمة لا ثمر ولا زرع ولا عنب ، فظنوا أنهم أخطأوا الطريق . قال تعالى ﴿ فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ ﴾ [ القلم : 26 ] . والمعنى أخطأنا الطريق .
نظروا ودققوا ، فعلموا أنها هي : فقالوا : ﴿ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ﴾ [القلم : 27] إنها هي الجنة ، لكن لاحظ لكم فيها ولا نصيب .
فقال أوسطهم وخيرهم ﴿ قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ ﴾ [القلم : 28] أي هلا تسبحون وتشكرون على ما أعطاكم إنها حديقتكم حُرمتم منها قبل أن يحرم الفقير ، وجُزيتم بأسوأ ما يجازى الشحيح .
فندم الأخوة ﴿ قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ﴾ [القلم : 29] . اعترفوا حيث لا ينفع الندم .
ثم طفقوا يلوم بعضهم بعضا على البخل وبخس المساكين ﴿ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ ﴾ [القلم : 30 - 31] أي اعتدينا وبغينا ، فأصابنا ما أصابنا ، ثم قالوا : ﴿ عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْراً مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ ﴾ [ القلم : 32 ] . نقل عن ابن مسعود أنهم تابوا وأخلصوا وأن لهم لله جنة يُقال لها : الحيوان .