شاءت حكمة الله تعالى ، بعد أن خلق الكون ، خلق الآرض في يومين ، ﴿ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ ﴾ [ فصلت : 10 ] .
وخلق السماء ، وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ، ثم خلق الملائكة العباد المكرمون ، ثم شاءت إرادته واقتضت حكمته أن يخلق (آدم) وذريته .
فأخبر ملائكته أنه سينشئ خلقاً آخر :
يسعون في الأرض .
ويمشون في مناكبها .
وينشر نسلهم في أرجائها .
فيأكلون من بينها .
ويستخرجون الخيرات من باطنها .
ويخلق بعضهم بعضا .
والملائكة الكرام : كانوا عباداً في غاية الخضوع والطاعة والانهماك ﴿ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ ﴾ [ الأنبياء : 20 ] . لا تعب ولا كلل ، ولا انقطاع .
فخافت الملائكة ، أن الله سيخلق خلقاً خيراً منهم لتقصير وقع عنهم أو إشارة فسارعوا إليها تبرئة نفوسهم .
قائلين : (كيف يخلق غيرنا ونحن دائبون على التسبيح بحمدك ، وتقديس اسمك).
وقالوا : ومن تستخلفهم يا ربنا لابد أن يختلفوا على ما فيها من منافع وخيرات فيفسدوا فيها ، ويسفكوا الدماء الغزيرة .
﴿ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ﴾ [ البقرة : 30 ] .
فقال الله لهم ﴿ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ [ البقرة : 30 ] .
أي أعرف من حكمة استخلافه ما لا تدركون فاطمأنت قلوبهم وقال لهم الله تعالى : ﴿ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ﴾ [ الحجر : 29 ] .
كرَّم الله هذا المخلوق أن أمر الملائكة بالسجود له بعد أن سواه من صلصال من حمأ مسنون . والحمأ : هو الطين الأسود . والمسنون : هو المصور .
فأمر الملائكة بالسجود إجلالاً ، فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين.