تنامت الغيرة عندهم ، وحركهم دار الحسد ، فتشاوروا لماذا يميل أبونا إلى يوسف ويهملنا ونحن القائمون على خدمته ، ورعاية شئونه .
فقال بعضهم : إن حبهما نبتت في قلبه كما نبتت في الراحتين الأصابع ، فاقترح بعضهم قتله والتخلص منه ﴿ اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوْ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ ﴾
[ يوسف : 9 ] أي تخلوا أنتم بأبيكم ﴿ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ ﴾ [ يوسف : 9 ] أي تتوبون عما بدر منكم .
وقال أحدهم : لا تقتلوه لكن ألقوه في البئر يأخذه بعض السيارة (أي المسافرين) فالقتل لا يقره دين ولا عقل ﴿ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ ﴾ [ يوسف : 10 ] ، فاستحسنوا هذا الرأي وصوبوه ، وعزموا على تنفيذه ، ولكن كيف الوصول إليه ، ويعقوب لا يتركه لأحد ، ولا يسلو إلا به .
وفي الغد عزموا على الذهاب إلى أبيهم وقالوا : يا أبانا يوسف أخونا ، وبضعة منا فلماذا لا تتركه يذهب معنا ، يلعب ويركض ، ونحن نحميه ونحرسه ، كما قال تعالى : ﴿ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [ يوسف : 11 - 12 ] .
طبعاً يعقوب عزيز عليه فرقة يوسف وخاف المكروه فقال : لا أطيق أرى يوسف بعيداً عن قلبي ، وأخشى غفلة منكم فيأكله الذئب ﴿ قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ ﴾ [ يوسف : 13 ] . فردوا عليه :
﴿ قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخَاسِرُونَ ﴾ [ يوسف : 14 ] ، يعني : ألسنا رجالاً نحن ، إنا إذاً لعاجزون هالكون ، وألحوا وكرروا حتى اقتنع الوالد .