والمعنى : طغيان فرعون تعاظم ، وشره تكاثر فلابد من نصحه وموعظته ، ومع ذلك الشر والفساد الذي تحمله النفس الفرعونية قال الله لهما : ﴿ قَوْلاً لَيِّناً ﴾ . أي كلاماً سهلاً رقيقاً لطيفاً ، حتى يكون أوقع في نفسه ، وأبلغ في احتوائه والتأثير عليه .
عند ذلك ﴿ قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى ﴾ [ طه : 45 ] يعني أنه رجل جبار متوحش قد يعتدي ويبطش بنا ، فقال الله ﴿ قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ﴾ [ طه : 46 ] وهذه حماية ربانية ، ورعاية إلهية بالحفظ والأمان والكفاية من هذا الظالم فناصيته بيد الله ، وأمره ونهيه إلينا ، فلا يفعل إلا ما يقدره الله ويأذن به .
اجتمع موسى بهارون وانطلقا ينفذان أمر الله تعالى ، وصلا إلى باب القصر ، ومكثا عليه مدة ، قيل ظلا سنتين يغدوان ويروحان لا يعلم بهما ، ولا يجتريء أحد أن يخبره بشأنهما ، حتى دخل عليه بعض جلاسه وسماره فقال : أيها الملك إن على الباب رجلاً يقول قولاً عجباً ، يزعم أن له إلهاً غيرك أرسله إليك ، قال : ببابي ؟ قال : نعم . قال : أدخلوه ، فدخل ومعه هارون .
ويروى : أن موسى ذهب وضرب باب فرعون بعصاه ، فسمع فرعون فغضب، وقال : من يجتريء على هذا الصنيع الشديد ؟ فأخبره السدنة بأن ها هنا رجلاً مجنوناً يقول : إنه رسول الله ، فقال : عليَّ به ، فلما وقفا بين يديه قالا وقال لهما : ما ذكر الله في كتابه ﴿ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى ﴾ [ طه : 47 ] .
طبعاً ، سلم على فرعون ، وجرى بينهما حوار ذكره الله في أكثر من سورة ، ففي طه قال : ﴿ إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى ﴾ [ طه : 47 ] .
وهنا عدة قضايا :
الأولى : أخبراه إنهم رسل الله .