ومما وقف عنده في المقصود بـ ( البلاغة ) ماحدثه به صديق له سأل العتابي : ما البلاغة ؟ فقال العتابي : ( كل من افهمك حاجتك من غير اعادة ولا حبسة ولا استعانة فهو بليغ )(62) .
**************************************************************
(60) البيان العربي من الجاحظ الى عبد القاهر : ص 3 .
(61) د . شوقي ضيف : البلاغة تطور وتاريخ : ص 57 ، 58 .
(62) البيان والتبيين : 1 / 113 .
الدرس البلاغي في البصرة ـ 24 ـ
وقد ناقش الجاحظ هذا القول وخلص الى القول في قصد العتابي : ( وانما عنى العتابي إفهامك العرب حاجنك على مجاري كلام العرب الفصحاء )(63).
وقال في موضع آخر : ( وقال بعضهم - وهو احسن ما اجتبيناه - لايكون الكلام يستحق اسم البلاغة حتى يسابق معناه لفظه ولفظه معناه ، فلا يكون لفظه الى سمعك اسبق من معناه الى قلبك )(64).
كما قال عن تعريف ابن المقفع للبلاغة ، الذي مر بنا في حذيثنا عن ابن المقفع : ان احد الشعراء قال عنه : ( لم يفسر البلاغة تفسير ابن المقفع قط )(65) .
وهو حين يصف الكلام البليغ ويتحدث عن اثره في المتلقي انطلاقاً من نظرته الى ثنائية اللفظ والمعنى يقول : ( فإذا كان المعنى شريفاً ، واللفظ بليغاً ، وكان صحيح الطبع بعيداً عن الاستكراه ، ومنزهاً عن الاختلال ، مصوناً من التكلف ، صنع في القلب صنيع الغيث في التربة الكريمة )(66) .
وهو يعرض لما عرف عند البلاغيين بـ ( مطابقة الكلام لمقتضى الحال ) فيقول : ( وينبغي للمتكلم ان يعرف اقدار المعاني ويوازن بينها وبين اقدار المستمعين ، وبين اقدار الحالات ، فيجعل لكل طبقة من ذلك كلاماً ، ولكل حالة من ذلك مقاماً ، حتى يقسم اقدار الكلام على اقدار المعاني ، ويقسم المعاني على اقدار المقامات والمستمعين ، على اقدار تلك الحالات )(67) .