تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأنت ترى أن هذا المعنى بعيد كل البعد عن سياق الآية، إذ أنه يحتاج لتقدير كلام، وهذا الكلام المقدر لضرورة تدعو إليه في تفسير الآية، والمعنى الصحيح للآية الذي لا يحتاج إلى تقدير هو أن نقول: وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان، يعني الجامع بين كونه كتابا منزلا وفرقانا يفرق بين الحق والباطل، والمراد بذلك التوراة، كما تقول رأيت الغيث والليث، نريد الرجل الجامع بين الجود والشجاعة، ونحوه قوله تعالى: ﴿ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا﴾ (١)، يعني الكتاب الجامع بين كونه فرقانا وضياء وذكرا، وقيل: المعنى: وإذ آتينا موسى التوراة والبرهان الفارق بين الكفر والإيمان من العصا واليد وغيرهما من الآيات، وقيل: المراد بالفرقان الشرع الفارق بين الحلال والحرام، أو النصر الذي فرق بينه وبين عدوه، كقوله تعالى: ﴿وما أنزلنا علي عبدنا يوم الفرقان﴾ (٢) يريد به يوم بدر الذي انتصر فيه المسلمون على الكفار.

ومن الواضح أن هذه المعاني التي ذكرناها في بيان المراد بالفرقان، كلها تتناسب مع ذكر موسى عليه السلام، أما القرآن فليس ثمة مناسبة واضحة بينه وبين موسى عليه السلام، فما الذي يلجئنا إلى تقدير كلام لا يساعد عليه نظم القرآن الكريم، ويرحم الله الإمام الآلوسي فقد رفض - بذوقه السليم - هذا الضرب من التأويل، فقال: «وقيل: إنه القرآن، ومعنى إتيانه لموسى عليه السلام نزول ذكره له حتى آمن به، حكاه ابن الأنباري، وهو بعيد، وأبعد منه ما حكي عن الفراء وقطرب أنه القرآن، والكلام علي حذف مفعول، أي ومحمدا الفرقان» (٣).

المثال الثاني: ما ذكره الشيخ محمد عبده في تفسير قوله تعالى: ﴿وأرسل

(١) سورة الأنبياء: ٤٨.

(٢) سورة الأنفال: ٤١.

(٣) تفسير الآلوسي ج ١ ص ٢٥٩.

الدخيل في تفسير القرآن الكريم · الجزء ٢ · الصفحة ٨٥

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الدخيل في تفسير القرآن الكريمج ٢ · ص ٨٥