تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وَكَانَ من كثرة اشتغاله وأشغاله لَا يتفرّغ للتّصنيف، وَكَانَ لَا يكاد يفتر من الإشغال إمّا بإقراء القرآن، أَو الْأحاديث، أَوْ بإقراء الفقه، والفرائض. وأقام بحَرَّان مُدَّة، فانتفعوا بِهِ. وَكَانَ يشغل بالجبل إِذَا كَانَ الإِمَام موفّق الدّين في المدينة، فَإِذَا صعِد الموفّق نزل هُوَ، فأشغل في المدينة.

وَسَمِعْتُ الموفّق يَقُولُ: ما نقدر نعمل مثل العماد. كَانَ يتألّف النَّاس ويُقرّبهم، حَتَّى أَنَّهُ ربّما كرَّرَ عَلَى إِنْسَان كلمات يسيرة من سَحَرٍ إلى الفجر.

قَالَ الضِّيَاء: وَكَانَ يكون في جامع دمشق من الفجر إلى العشاء لَا يخرج إِلَّا لِما لَا بُدَّ لَهُ منه، يقرئ النَّاس القرآن، والعلم، فَإِذَا لم يتّفق لَهُ من يشتغل عَلَيْهِ، اشتغل بالصّلاة.

فسألت [١] مُوَفَّق الدّين عَنْهُ، فَقَالَ: كَانَ من خيار أصحابنا، وأعظمهم نفعا، وأشدّهم ورعا، وأكثرهم صبرا عَلَى تعليم القرآن، والفقه. وَكَانَ داعية إلى السُّنة وتعلُّم العلم والدّين. وأقام بدمشق مُدَّة يعلّم الفُقراء ويطعمهم، ويبذل لهم نفسه، ويتواضع لهم. وَكَانَ من أكثر النَّاس تواضعا واحتقارا بنفسه، وخوْفًا من اللَّه، وما أعلم أنّني رَأَيْت أشدّ خوفا منه. وَكَانَ كثير الدُّعاء والسؤال للَّه، وَكَانَ يطيل الرُّكوع والسجود بقصد أن يقتدي بِصَلاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولا يقبل من أحد يعذله في ذَلِكَ. ونُقِلت لَهُ كرامات كثيرة. هَذَا كتبه بخطّه مُوَفَّق الدّين.

قَالَ الضِّيَاءُ: وَلَمْ أَرَ أَحَدًا أَحْسَنَ صَلَاةً مِنْهُ، وَلَا أَتَمَّ منها بخشوع وخضوع، وحسن قيام وقعود، قيل: إِنَّهُ كَانَ يُسَبِّحُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ عَشْرًا، يَتَأَنَّى فِي ذَلِكَ، وَرُبَّمَا كَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ: النَّبِيُّ ﷺ قَدْ أَمَرَ بِالتَّخْفِيفِ، وَقَالَ: «أَفَتَّانٌ أَنْتَ يَا مُعَاذٌ؟!» [٢] فَلَا يَرْجِعُ، وَيُسْتَدَلُّ عَلَيْهِمْ بِأَحَادِيثَ مِنْهَا: أَنّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَكُونُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى حَتَّى يَمْضِي أَحَدُنَا إِلَى الْبَقِيعِ وَيَقْضِي حَاجَتَهُ وَيَأْتِي، وَالنَّبِيُّ ﷺ لم

[١] الكلام للضياء.

[٢] أخرجه البخاري ٧٠١ و٧٠٥ و٦١٠٦، ومسلم ٤٦٥، والشافعيّ ٣٠٣، وأحمد ٣/ ٢٩٩ و٣٠٠ و٣٠٨ و٣٦٩، والدارميّ ١/ ٢٩٧، وأبو داود ٧٩٠، والنسائي ٢/ ٩٧ و٩٨ و١٠٢ و١٠٣، وابن ماجة ٩٨٦، والبغوي ٥٩٩ من حديث جابر.

تاريخ الإسلام - ت تدمري · الجزء ٤٤ · الصفحة ١٨٤

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ الإسلام - ت تدمريج ٤٤ · ص ١٨٤