إن القرآن الكريم يربط بين الكتابة ومشروع الاستخلاف ، فكل إنسان هو خليفة ، ليس كما يقولون خليفة الله في الأرض ، من خلال الفهم القديم لثنوية الأرض والسماء ، ولوضع الله ، وحاشا له أن يكون في مكان ، إذ لا يتموضع إلا الشيء ، والله ليس كمثله شيء ، حيث إن (كمثله) تنفي التشبيه والتمثيل معًا ، بل إن الإنسان يخلف بعضه بعضا، والبشر خلائف في الأرض ، وكم كانت الكارثة كبرى عندما صودرت هذه الحقيقة لتطلق على شخص بعينه ، ويبدأ مشروع الإملائية ، واختزال التاريخ والإنسانية في شخص واحد ، باعتباره خليفة . فالاستخلاف البشري هو مثل عملية الاستخلاف في تكاثر المفاهيم لكلمة واحدة . فالكلمة كالخلية تتوالد وتتكاثر ، من خلال عملية الاستخلاف، كما سبق أن أشرنا إلى كلمة (أدب في العربية ) ، هذا الاستخلاف يؤكد التنوع أو الجعل الإلهي ، وفي ذات الوقت يؤكد وحدة الأصل ، إذ لا يمكن نفي مفهوم الدعوة إلى الطعام في كلمة أدب ، وإن كان المفهوم ، أو المولود الجديد يفهم منه الدعوة إلى الأخلاق ، إذ يبقى الربط بين الأدب والمأدبة ، والقراءة ، والقرى ، فالرسول الكريم يؤكد على أن القرآن مأدبة الله ، وفي هذا المقام فإن المشروع العربي يرفض كما أشرت الحفر ، والتشريح ، وإن كان يقبل بمصطلح النسب والانتساب ، على مستوى المفهوم وعلى مستوى الاستخلاف البشري . فالبشر جميعًا من عملية ولادة بين ذكر وأنثى ، والاستخلاف هو من أجل التعارف ، وإن كان التنوع لا يستدعي التفاخر والتمايز ، مادام الأصل واحدا " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ " ، فالأصلية أو الأصولية هي الاعتراف بوحدة الأصل ، ولهذا يستخدم العرب مصطلح الأصل للأنساب وللشجر كذلك .
البيان والمنطق ومشكلات الفلسفة · الصفحة ٢٨
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
البيان والمنطق ومشكلات الفلسفةص ٢٨
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي