و قبل أن أختم الحديث عن إسلام الصقالبة ، أودُّ أن أؤكِّد حقيقتين تاريخيتين هما :
الأوَّلى : أن إسلام الصقالبة الأوائل ( قبل الفتح الإسلامي لبلادهم ) لم يتجاوز الحدود الشخصية و الفردية ، حتى و إن كان بين أوائل الصقالبة المسلمين وجهاء ونبلاء وملوك ، كملك البلغار و بعض خاصته و حاشيته ، فإنه من غير المتصور أن يكون هؤلاء قد حولوا بلادهم إلى بلاد إسلامية أو تكون ديارهم ديار إسلام بالمعنى الشرعي لدار الإسلام (1) ، ذلك لأن اسم المملكة في القرون الوسطى كان يطلق تجاوزاً على أية مجموعة بشرية مستقلة و إن قلّ أفرادها أو انزوت في رقعة ضيقة من الأرض .
والثانية : أن مسلمي الصقالبة الأوائل اندثرت معالمهم و تلاشت آثارهم قبل وصول طلائع الفتح الإسلامي إلى بلادهم ، و هذا ما تؤكده الوثائق التاريخية ، حيث لم يبق في البلقان و جود يذكر للمسلمين عند وصول العثمانيين إلى البلقان ، ممَّا يجعل انتشار الإسلام في المنطقة يبدأ بعد الفتح من درجة الصفر تقريباً ، ثمّ ينطلقُ بقوَّة فلا يلبثُ أن ينتشر في كُلِّ مكان و يبلغ الصدارة في عدد أتباعه بين سكان البوسنة على وجه الخصوص .
المقصد الثاني : إسلام البشَانِقة بعد الفتح العثماني للبوسنة :
(1) لدار الإسلام تعريفات متقاربة عند الفقهاء ، فهي عند ابن القيم : الدار التي نزلها المسلمون و جرت عليها أحكام الإسلام 0
انظر : أحكام أهل الذمة لابن القيم ، بتحقيق الدكتور صبحي الصالح : 1/ 277 .
... و : الدكتور محمد رواس قلعجي : معجم لغة الفقهاء ، ص :182 .
... و قال التهانوي في كشَّافه : دار الإسلام عند الفقهاء ما يجري فيه حكم إمام المسلمين من البلاد كما في الكافي و في الزاهدي : ما غلب فيه المسلمون و كانوا فيه آمنين 0
انظر : : محمد علي التهانوي : موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون ، بتحقيق الدكتور على دحروج ، و ترجمة الدكتور عبد الله الخالدي ، ص : 779 .