تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كان قد تخرج طبيباً وكنت في سنتي الجامعية الأولى.. كان ينتمي إلى عائلة ثرية وكنت أنتمي إلى عائلة متوسطة الحال.

لا أنسى الصعقة التي أصابتني عندما دخل كافتيريا الجامعة، توجه إليَّ سلَّم عليَّ وجلس معي..

كان قلبي يطرق بعنف حتى ظننت أنه سيخرج من صدري.

سنة ونحن نلتقي، عرفت عنه كل شيء.. يتمه المبكر.. عدد إخوته، حبه الكبير لأمه فقد كان أصغر الأولاد وأقربهم إلى قلبها.

عرفتُّهُ على أهلي أصبح يزورنا في بيتنا.

قرأ السؤال في عيونهم، ثم ماذا؟.

جاء مع أمه ثم كان الغياب.. لم أعد أراه في شرفة ولا في طريق، أجلس ساعات في كافتيريا الجامعة أنتظر فربما..

ذات يوم جاء إليَّ يقول:

-ما زال الطريق أمامي طويلاً، سأذهب إلى فرنسا لأختصّ، لا يدري الإنسان ما الذي تخبئه الأيام لن أرهنك لمستقبل غامض.

وكنت أقول له:

-أيُّها المجنون هل أنت جاد فيما تقول؟ سأنتظرك مهما غبت، أو أسافر معك وأكمل دراستي هناك.

منعني كبريائي من الكلام.

أعرفه.. شفتاه تقولان كلاماً وقلبه يخبئ كلاماً آخر، وأنا أحاول أن أصدق. هي أمه.. لم أعجبها.. لست من العشيرة، فكيف تتقبلني.. وأوديب لا يستطيع ابتعاداً عنها.

كيف يمحى أمامها.. كيف ينسى ما بيننا؟.

***

أحببته بكل ما في الصبا من عنفوان، وجرحت بكل ما في الصبا من كبرياء..

الآن وقد رأيته يطوف في قلبي حنين.. تتوارد إلى ذهني الصور والأصوات.. اللقاءات.. والأمنيات..

ابتسم بحزن، لأعترف أنه كان شهماً، كان باستطاعته أن يستغلني.. عواطفي كانت مجنونة، كنت مندفعة إليه بصبوة الروح ولهفة القلب وشوق الجسد، حبي كان جارفاً وما أصعب أن تعود الأنهار إلى منابعها أن تكبح بالسدود، أية قسوة تعادل قسوة الهجران؟!.

تركنا الحي فتباعدت الأخبار، أطراف حديث كنت أسمعها عنه وعن إخوته، عرفت أنه سافر إلى الخارج ليتم دراسته ثم انقطعت الأخبار.

البستان · الصفحة ٨٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

البستانص ٨٥