«القسم الثالث: يتنوع أيضًا وهو الذي قلد غيره على البراءة الأصلية فلا يخلو أن يكون ثمّ مَنْ هو أولي بالتقليد منه بناء على التسامع الجاري بين الخلق أو لا يكون ثمَّ من هو أولي منه فإن كان هناك منتصبون فتركهم هذا المقلد وقلد غيرهم فهو آثم إذ لم يرجع إلى من أمر بالرجوع إليه بل تركه ورضي لنفسه بأخسر الصفقتين فهو غير معذور إذ قلد في دينه من ليس بعارف بالدين في حكم الظاهر فعمل بالبدعة وهو يظن أنه على الصراط المستقيم. وهذا حال من بعث فيهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنهم تركوا دينهم الحق ورجعوا إلى باطل آبائهم ولم ينظروا نظر المستبصر حتي لم يفرقوا بين الطريقين وغطَّى الهوى على عقولهم دون أن يبصروا الطريق فكذلك أهل هذا النوع وقلَّ من تجد من هذه صفته إلا وهو يوالي فيما ارتكب ويعادي بمجرد التقليد. وإن لم يكن هناك منتصبون إلاَّ هذا المقلَّد الخامل بين الناس مع أنه قد نصب نفسه منصب المستحقين ففي تأثيمه نظر ويحتمل أن يقال فيه أنه آثم. ونظيره مسألة أهل الفترات العاملين تبعًا لآبائهم واستنامة لما عليه أهل عصرهم من عبادة غير الله وما أشبه ذلك لأن العلماء يقولون في حكمهم أنهم على قسمين: قسم غابت عليه الشريعة ولم يدر ما يتقرب به إلى الله تعالى فوقف عن العمل بكل ما يتوهمه العقل أنه يقرب إلى الله ورأى ما أهل عصره عاملون به مما ليس لهم مستند إلا استحسانهم فلم يستفزه ذلك على الوقوف عنه فهؤلاء هم الداخلون حقيقة تحت عموم الآية ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ﴾ (1). وقسم لابس ما عليه أهل عصره من عبادة غير الله والتحريم والتحليل بالرأي ووافقوهم في اعتقاد ما اعتقدوه من الباطل فهؤلاء نصَّ العلماء على أنهم غير معذورين مشاركون لأهل عصرهم في المؤاخذة لأنهم وافقوهم في العمل والموالاة والمعاداة على تلك الشرعة فصاروا من أهلها فكذلك ما نحن في الكلام عليه إذ لا
(1) الإسراء، آية: 15.