ويقول(1): «من المعلوم المتواتر عند الخاصة والعامة الذي لم يختلف فيه أهل العلم بالمنقولات والسير أن أبا بكر - رضي الله عنه - لم يطلب الخلافة لا برغبة ولا برهبة لا بذل فيها ما يرغب الناس به ولا شهر عليهم سيفًا يرهبهم به ولا كانت له قبيلة ولا أموال تنصره وتقيمه في ذلك كما جري من عادة الملوك أن أقاربهم ومواليهم يعاونونهم ولا طلبها أيضًا بلسانه ولا قال بايعوني بل أمر بمبايعة عمر وأبي عبيدة ومن تخلَّف عن بيعته كسعد بن عبادة لم يؤذه ولا أكرهه على المبايعة ولا منعه حقًا له ولا حرَّك عليهم ساكنًا وهذه غاية في عدم إكراه الناس على المبايعة ثم إن المسلمين بايعوه ودخلوا في طاعته والذين بايعوه هم الذين بايعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحت الشجرة وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان - رضي الله عنهم - ورضوا عنه وهم أهل الإيمان والهجرة والجهاد ولم يتخلف عن بيعته إلا سعد بن عبادة وأما عليّ وسائر بني هاشم فلا خلاف بين الناس أنهم بايعوه لكن تخلفه لأنه كان يريد الأمر لنفسه - رضي الله عنهم - أجمعين ثم إنه في مدة ولايته قاتل بهم المرتدين والمشركين ولم يقاتل مسلمين بل أعاد الأمر إلى ما كان عليه قبل الردة وأخذ يزيد الإسلام فتوحًا وشرع في قتال فارس والروم ومات والمسلمون محاصروا دمشق وخرج منها أزيد مما دخل فيها لم يستأثر عنهم بشيء ولا أمر له قرابة ثم ولي عليهم عمر بن الخطاب ففتح الأمصار وقهر الكفار وأعزَّ أهل الإيمان وأذلَّ أهل النفاق والعدوان ونشر الإسلام والدين وبسط العدل في العالمين ووضع ديوان الخراج والعطاء لأهل الدين ومصَّر الأمصار للمسلمين وخرج منها أزيد مما دخل فيها لم يتلوث لهم بمال ولا ولَّي أحدًا من أقاربه ولاية فهذا أمر يعرفه كل أحد وأما عثمان فإنه بني على أمر قد استقر قبله بسكينة وحلم وهدى ورحمة وكرم ولم يكن فيه
(1) منهاج السنة النبوية، ج4، ص 120-121.