تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية(1): «قال أبو العباس في موضع آخر: والتعزير على شيء دليل على تحريمه ومن هذا الباب ماذكره أصحابنا وأصحاب الشافعي من قتل الداعية من أهل البدع كما قتل الجعد بن درهم والجهم ابن صفوان وغيلان القدري وقتل هؤلاء له مأخذان: أحدهما: كون ذلك كفرًا كقتل المرتد أو جحودًا أو تغليظًا وهذا المعني يعم الداعي إليها وغير الداعي إذا كفروا فيكون قتلهم من باب قتل المرتد والمأخذ الثاني: لما في الدعاء إلى البدعة من إفساد دين الناس ولهذا كان أصل الإمام أحمد وغيره من فقهاء الحديث وعلمائهم يفرقون بين الداعي إلى البدعة وغير الداعي في ردِّ الشهادة وترك الرواية عنه والصلاة خلفه وهجره ولهذا ترك في الكتب الستة ومسند أحمد الرواية عن مثل عمرو بن عبيد ونحوه ولم يترك عن القدرية الذين ليسوا بدعاة وعلي هذا المأخذ فقتلهم من باب قتل المفسدين المحاربين لأن المحاربة باللسان كالمحاربة باليد ويشبه قتل المحاربين للسنة بالرأي قتل المحاربين لها بالرواية وهو قتل من يتعمد الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما قتل النبيّ - صلى الله عليه وسلم - الذي كذب عليه في حياته وهو حديث جيد لما فيه من تغيير سنته وقد قرر أبو العباس هذا مع نظائر له في الصارم المسلول كقتل الذي يتعرض لحرمه أو يسبه ونحو ذلك وكما أمر النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بقتل المفرِّق بين المسلمين لما فيه من تفريق الجماعة ومن هذا الباب الجاسوس المسلم الذي يخبر بعورات المسلمين ومنه الذي يكذب بلسانه أو بخطه أو يأمر بذلك حتى يقتل به أعيان الأمة وعلماؤها وأمراؤها فتحصل أنواع من الفساد كثيرة فهذا متي لم يندفع فساده إلا بقتله فلا ريب في قتله وإن جاز أن يندفع وجاز ألا يندفع قتل أيضًا وعلي هذا جاء قوله تعالي: { مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ

(1) الفتاوى الكبرى، كتاب الحدود في الاختيارات العلمية، ج4، ص 602.

البلاغ المبين · الصفحة ٧٥٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

البلاغ المبينص ٧٥٠