الذين كانوا سلفًا لهؤلاء القرامطة ذهبوا من العراق إلى المغرب ثم جاءؤا من المغرب إلى مصر فإن كفر هؤلاء وردتهم من أعظم الكفر والردة وهم أعظم كفرًا وردّة من كفر أتباع مسيلمة الكذاب ونحوه من الكذابين فإن أولئك لم يقولوا في الإلهية والربوبية والشرائع ما قاله أئمة هؤلاء. ولهذا يميز بين قبورهم وقبور المسلمين كما يميز بين قبور المسلمين والكفار. فإن قبورهم موجهة إلى غير القبلة. إلى أن يقول: ومن علم حوادث الإسلام وما جرى فيه بين أوليائه وأعدائه الكفار والمنافقين علم أن عداوة هؤلاء المعتدين للإسلام الذي بعث الله به رسوله أعظم من عداوة التتار وإن علم الباطن الذي كانوا يدَّعون حقيقته هو إبطال الرسالة التي بعث الله بها محمدًا بل إبطال جميع المرسلين وأنهم لا يقرون بما جاء به الرسول عن الله لا من خبره ولا من أمره وإن لهم قصدًا مؤكدًا في إبطال دعوته وإفساد ملته وقتل خاصته وأتباع عترته وأنهم في معاداة الإسلام بل وسائر الملل أعظم من اليهود والنصارى فإن اليهود والنصارى يقرون بأصل الجمل التي جاءت بها الرسل كإثبات الصانع والرسل والشرائع واليوم الآخر ولكن يكذبون بعض الكتب والرسل كما قال سبحانه: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً - أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا ﴾ (1). وأمَّا هؤلاء القرامطة فإنهم في الباطن كافرون بجميع الكتب والرسل يخفون ذلك ويكتمونه عن غير من يثقون به لا يظهرونه كما يظهر أهل الكتاب دينهم لأنهم لو أظهروه لنفر عنهم جماهير أهل الأرض من المسلمين وغيرهم وهم يفرقون بين مقالتهم ومقالة الجمهور بل الرافضة الذين ليسوا زنادقة كفارًا
(1) النساء، الآيتان: 150-151.