أحدهما على وجهة التضييع من العبد والتفريط والآخر على وجه عجز الناسي عن حفظ ما استحفظ ووكل به وضعف عقله عن احتماله فأما الذي يكون من العبد على وجه التضييع منه والتفريط فهو ترك منه لما أمر بفعله فذلك الذي يرغب العبد إلى الله عزَّ وجلّ في تركه مؤاخذته به وهو النسيان الذي عاقب الله عزَّ وجلّ به آدم - صلى الله عليه وسلم - فأخرجه من الجنة فقال في ذلك ﴿ وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ﴾ (1) وهو النسيان الذي قال جلَّ ثناؤه ﴿ فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا ﴾ (2) فرغبة العبد إلى الله - عز وجل - بقوله ﴿ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ﴾ (3) فيما كان من نسيان منه لما أمر بفعله على هذا الوجه الذي وصفنا ما لم يكن تركه ما ترك من ذلك تفريطًا منه فيه وتضييعًا كفرًا بالله عزَّ وجلَّ فإن ذلك إذا كان كفرًا بالله فإن الرغبة إلى الله في تركه المؤاخذة به غير جائزة لأن الله عزَّ وجلَّ قد أخبر عباده أنه لا يغفر لهم الشرك به فمسألته فعل ما قد أعلمهم أن لا يفعله خطأ وإنما يكون مسألته المغفرة فيما كان من مثل نسيانه القرآن بعد حفظه بتشاغله عنه وعن قراءته ومثل نسيانه صلاة أو صيامًا باشتغاله عنهما بغيرهما حتى ضيعهما وأما الذي العبد به غير مؤاخذ لعجز يمنعه عن حفظه وقلة احتمال عقله ما وكل بمراعاته فإن ذلك من العبد غير معصية وهو به غير آثم فذلك الذي لا وجه لمسألة العبد ربَّه أن يغفره له لأنه مسألة منه له أن يغفر له ما ليس له بذنب. وذلك مثل الأمر يغلب عليه وهو حريص على تذكره وحفظه كالرجل يحرص على حفظ القرآن بجد منه فيقرأه ثم ينساه بغير تشاغل منه بغيره عنه ولكن بعجز عن حفظه وقلة احتمال عقله ذكر ما أودع قلبه منه وما أشبه ذلك من النسيان فإن ذلك
(1) طه، آية: 115.
(2) الأعراف، آية: 51.
(3) البقرة، آية: 286.