تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يقول الإمام الشاطبي في ”الموافقات“ (1): «المسألة التاسعة سنة الصحابة - رضي الله عنهم - سنة يعمل عليها ويرجع إليها ومن الدليل على ذلك أمور أحدها ثناء الله عليهم من غير مثنوية ومدحهم بالعدالة وما يرجع إليها كقوله تعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾ (2)، وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾ (3). ففي الأولى إثبات الأفضلية على سائر الأمم وذلك يقضي باستقامتهم في كل حال، وجريان أحوالهم على الموافقة دون المخالفة، وفي الثانية إثبات العدالة مطلقًا، وذلك يدل على ما دلت عليه الأولى. ولا يقال: إنَّ هذا عامٌ في الأمة، فلا يختص بالصحابة دون من بعدهم. لأنَّا نقول: أولاً: ليس كذلك، بناءً على أنهم المخاطبون على الخصوص، ولا يدخل معهم من بعدهم إلا بقياس وبدليل آخر، وثانيًا: على تسليم التعميم أنهم أول داخل في شمول الخطاب، فإنهم أول من تلقى ذلك من الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وهم المباشرون للوحي، وثالثًا: أنهم أولى بالدخول من غيرهم إذ الأوصاف التي وصفوا بها لم يتصف بها على الكمال إلا هم فمطابقة الوصف للاتصال شاهد على أنهم أحقُّ من غيرهم بالمدح. وأيضًا فإنَّ من بعد الصحابة من أهل السنة عدلوا الصحابة على الإطلاق والعموم فأخذوا عنهم رواية ودراية من غير استثناء ولا محاشاة، بخلاف غيرهم فلم يعتبروا منهم إلا من صحت إمامته وثبتت عدالته، وذلك مصدق لكونهم أحقّ بذلك المدح من غيرهم فيصح أن يطلق على الصحابة أنهم خير أمة بإطلاق، وأنهم وسط أي عدول بإطلاق، وإذا كان كذلك فقولهم معتبر، وعملهم مقتدى به، وهكذا سائر الآيات التي جاءت بمدحهم، كقوله تعالى: { لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ

(1) الموافقات، ج4، ص 74.

(2) آل عمران، آية: 110.

(3) البقرة، الآية: 143.

البلاغ المبين · الصفحة ٦١١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

البلاغ المبينص ٦١١