وذكر أن عمر - صلى الله عليه وسلم - كان يخطب بهذه الخطبة. وعن ابن مسعود موقوفًا ومرفوعًا، أنه كان يقول: إنما هما اثنتان ـ الكلام والهدى ـ فأحسن الكلام كلام الله ، وأحسن الهدى هدى محمد - صلى الله عليه وسلم -، ألا وإياكم ومحدثات الأمور، فإن شرَّ الأمور محدثاتها، إنَّ كل محدثة بدعة، وفي لفظ: ”غير أنكم ستحدثون ويحدث ويحدث لكم، فكل محدثة ضلالة وكل ضلالة في النار“ وكان ابن مسعود يخطب بهذا كل خميس... إلى أن يقول: وفي الصحيح من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «من دعا إلى الهدى كان له من الأجر مثل أجور من يتبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا. ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من يتبعه لا ينقص من آثامهم شيئًا»... وروى الترمذي أيضًا وصححه وأبو داود وغيرهما عن العرباض بن سارية قال صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب. فقال قائل: يا رسول الله كأن هذا موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة لولاة الأمور وإن كان عبدًا حبشيًا فإنه من يعيش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» وروى على وجوه من طرق». أهـ.
ثم يذكر الشاطبي أحاديث أخرى كثيرة يضيق المقام عن ذكرها هنا .إلى أن يقول(1): «وليعلم الموفق أن بعض ما ذكر من الأحاديث يقصر عن رتبة الصحيح، وإنما أتى بها عملاً بما أصَّله المحدثون في أحاديث الترغيب والترهيب. إذ قد ثبت ذم البدع وأهلها بالدليل القاطع القرآني والدليل السُّني الصحيح فما زيد من غيره فلا حرج في الإتيان به إن شاء الله».
(1) الاعتصام، ج1، ص 77.