وأما من أفصح بحقيقة قوله وقال إن كلام الله ورسوله لا يستفاد منه علم بغيب ولا تصديق بحقيقة ما أخبر به ولا معرفة بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله وملائكته وجنته وناره وغير ذلك، فهذا لكلامه مقام آخر، فإن الناس في هذا الباب أنواع منهم من يقر بما جاء به السمع في المعاد دون الأفعال والصفات، ومنهم من يقر بذلك في بعض أمور المعاد دون بعض، ومنهم من يقر بذلك في بعض الصفات والمعاد مطلقًا دون الأفعال وبعض الصفات، ومنهم من لا يقر بحقيقة شيء من ذلك لا في الصفات ولا في المعاد، ومنهم من لا يقر بذلك أيضًا في الأمر والنهي بل يسلك طريق التأويل في الخبر والأمر جميعًا لمعارضة العقل عنده كما فعلت القرامطة الباطنية وهؤلاء أعظم الناس كفرًا وإلحادًا. والمقصود هنا أن من أقر بصحة السمع وأنه علم صحته بالعقل لا يمكنه أن يعارضه بالعقل البتة لأن العقل عنده هو الشاهد بصحة السمع، فإذا شهد مرة أخري بفساده كانت دلالته متناقضة فلا يصلح لإثبات السمع ولا لمعارضته، فإن قال أنا أشهد بصحة ما لم يعارض العقل قيل هذا لا يصح لوجوه: ”أحدها“: إن الدليل العقلي دلَّ على صدق الرسول وثبوت ما أخبر به مطلقًا فلا يجوز أن يكون صدقه مشروطًا بعدم المعارض. ”الثاني“: أنه إن جوزت عليه أن يعارضه العقل الدال على فساده لم تثق بشيء منه لجواز أن يكون في عقل غيرك ما يدل على فساده فلا تكون قد علمت بعقلك صحته البتة وأنت تقول أنك علمت صحته بالعقل. ”الثالث“: أن ما يستخرجه الناس بعقولهم أمرٌ لا غاية له سواء كان حقًا أو باطلاً، فإذا جوَّز المجوز أن يكون في المعقولات ما يناقض خبر الرسول لم يثق بشيء من أخبار الرسول لجواز أن يكون في المعقولات التي لم تظهر له بعد ما يناقض ما أخبر به الرسول، ومن قال أنا أقر من الصفات بما لم ينفه العقل أو أثبت من السمعيات ما لم يخالفه العقل لم يكن لقوله ضابط، فإن تصديقه بالسمع مشروط بعدم جنس لا ضابط له ولا منتهى، وما كان
البلاغ المبين · الصفحة ٤٧٦
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
البلاغ المبينص ٤٧٦
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي