ونقلوا هذا القول عن أبيّ بن كعب وابن مسعود وعائشة وابن عباس وعروة بن الزبير وغير واحد من السلف والخلف وإنْ كان القول الآخر وهو أن السلف يعلمون تأويله منقولاً عن ابن عباس أيضًا وهو قول مجاهد ومحمد بن جعفر وابن إسحق وابن قتيبة وغيرهم وما ذكرتموه قدح في أولئك السلف وأتباعهم قيل ليس الأمر كذلك فإن أولئك السلف الذين قالوا لا يعلم تأويله إلا الله كانوا يتكلمون بلغتهم المعروفة بينهم ولم يكن لفظ التأويل عندهم يراد به معنى التأويل الاصطلاحي الخاص وهو صرف اللفظ عن المعنى المدلول عليه المفهوم منه إلى معنى يخالف ذلك فإن تسمية هذا المعنى وحده تأويلا إنما هو اصطلاح طائفة من المتأخرين من الفقهاء والمتكلمين وغيرهم ليس هو عرف السلف من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وغيرهم لاسيما ومن يقول إن لفظ التأويل هذا معناه يقول أنه يحمل اللفظ على المعنى المرجوح لدليل يقترن به ـ وهؤلاء يقولون هذا المعنى المرجوح لا يعلمه أحد من الخلق والمعنى الراجح لم يرده الله ـ وإنما كان لفظ التأويل في عرف السلف يراد به ما أراده الله بلفظ التأويل في مثل قوله تعالى: ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ ﴾ (1)، وقال تعالى: ﴿ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴾ (2)، وقال يوسف ﴿ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاي مِنْ قَبْلُ ﴾ (3)، وقال يعقوب له: ﴿ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأحَادِيثِ ﴾ (4)، ﴿ وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَاِدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ ﴾ (5)، وقال يوسف: ﴿ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ ﴾ (6)
(1) الاعراف، آية: 53.
(2) النساء، آية: 59.
(3) يوسف، آية: 100.
(4) يوسف، آية: 6.
(5) يوسف، آية: 45.
(6) يوسف، آية: 37.