يقول أيضًا شيخ الإسلام(1): «وأيضًا فصاحب البدعة يبقي صاحب هوي يعمل لهواه لا ديانة ويصد عن الحق الذي يخالف هواه فهذا يعاقبه الله على هواه ومثل هذا يستحق العقوبة في الدنيا والآخرة ومن فسَّق من السلف الخوارج ونحوهم كما روى عن سعد بن أبي وقاص أنه قال فيهم قوله تعالى: ﴿ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ - الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ أُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ ﴾ (2) فقد يكون هذا قصده لاسيما إذا تفرق الناس فكان منهم من يطلب الرياسة له ولأصحابه وإذا كان المسلم الذي يقاتل الكفار قد يقاتلهم شجاعة وحمية ورياء وذلك ليس في سبيل الله فكيف بأهل البدع الذين يخاصمون ويقاتلون عليها فإنهم يفعلون ذلك شجاعة وحمية وربما يعاقبون لما اتبعوا أهواءهم بغير هدى من الله لا لمجرد الخطأ الذي اجتهدوا فيه ولهذا قال الشافعي لأن أتكلم في علم يقال لي فيه أخطأت أحبّ إليَّ من أن أتكلم في علم يقال لي فيه كفرت فمن عيوب أهل البدع تكفير بعضهم بعضًا ومن ممادح أهل العلم أنهم يُخَطِّئُونَ ولا يُكَفِّرُون(3) وسبب ذلك أن أحدهم قد يظن ما ليس بكفر كفرًا وقد يكون كفرًا لأنه تبين(4) له أنه تكذيب للرسول وسبٌّ للخالق والآخر لم يتبين له ذلك فلا يلزم إذا كان هذا العالم بحاله يكفر إذا قاله أن يكفر من لم يعلم بحاله. إلى أن يقول: فإن الإنسان عليه أولاً أن يكون أمره لله وقصده طاعة الله فيما أمر
(1) المنهاج، ج3، ص 62-68.
(2) البقرة، الآيتان: 26-27.
(3) ليس مطلقًا ويكون في المسائل الخفية التي يكون الكفر فيها باللوازم والمآلات.
(4) أي يلزم فيه ذلك فلا يكفر إلا بعد إقامة الحجة وبيان اللوازم والمآلات وليس لأن المتأول معذور مطلقًا وإن خالف العلم الضروري كمن أداه اجتهاده إلى صحة عقائد اليهود والنصارى فإن هذا فاسد جدًا.