وقد مرَّ كلام الشاطبي في ”الاعتصام“ أن فريقًا من الصحابة قال لعمر عن هؤلاء المتأولين، أنهم قد كذبوا على الله وشرعوا في دين الله ما لم يأذن به الله فنري أن تضرب أعناقهم وقال عليٌّ أرى أن تستتيبهم فإن تابوا جلدتهم ثمانين وإن لم يتوبوا ضربت أعناقهم، فاستتابهم عمر - رضي الله عنه - فتابوا، وهنا مبحث دقيق وهو هل يجوز تكفير مثل قدامة قبل الاستتابة أم لا يجوز هذا إلا بعد الاستتابة لشبهة التأويل مع سابقته وفضله والأرجح أن لا يُكفَّر إلا بعد الاستتابة ولكن التأويل لم يمنع من الاستتابة من الردة ولم يمنع من تقرير العقوبة في حالة التوبة بالجلد وفي حالة عدم التوبة بالقتل ردة عن الإسلام ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه ”الصارم المسلول“ (1): «والمضمون لأهل بدر إنما هو المغفرة إما بأن يستغفروا إن كان الذنب مما لا يغفر إلا بالاستغفار أو لم يكن كذلك وإما بدون أن يستغفروا ألا ترى أن قدامة بن مظعون ـ وكان بدريًا ـ تأول في خلافة عمر ما تأول في استحلال الخمر من قوله تعالى ﴿ لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا ﴾ الآية، حتي أجمع رأي عمر وأهل الشوري أن يستتاب هو وأصحابه فإن أقروا بالتحريم جلدوا وإن لم يقروا به كفروا ثم إنه تاب وكاد أن ييأس لعظم ذنبه في نفسه حتي أرسل إليه عمر - رضي الله عنه - بأول غافر فعلم أن المضمون للبدريين أن خاتمتهم حسنة وأنه مغفور لهم وإن جاز أن يصدر عنهم قبل ذلك ما عسى أن يصدر فإن التوبة تمحو ما قبلها». أهـ.
(1) الصارم المسلول، ص 468.