الوجه الرابع: أنه إذا كان المكفر هو اعتقاد الحل فليس في السب ما يدل على أن الساب مستحل فيجب أن لا يكفر لا سيما إذا قال: ”أنا أعتقد أن هذا حرام وإنما أقول غيظًا وسفهًا أو عبثًا أو لعبًا“ كما قال المنافقون: ﴿ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ﴾ (1). وكما إذا قال إنما قذفت هذا وكذبت عليه لعبًا وعبثًا، فإن قيل لا يكونون كفارًا فهو خلاف نص القرآن، وإن قيل يكونون كفارًا، فهو تكفير بغير موجب إذا لم يجعل نفس السب مكفرًا، وقول القائل أنا لا أصدقه في هذا لا يستقيم، فإن التكفير لا يكون بأمر محتمل، فإذا كان قد قال: ”أنا أعتقد أن ذلك ذنب ومعصية وأنا أفعله“ فكيف يكفر إن لم يكن ذلك كفر، ولهذا قال سبحانه وتعالى: ﴿ لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ﴾ (2). ولم يقل قد كذبتم في قولكم إنما كنا نخوض ونلعب فعلم أنه لم يكذبهم في هذا العذر كما كذبهم في سائر ما أظهروه من العذر الذي يوجب براءتهم من الكفر لو كانوا صادقين، بل بَيَّن أنهم كفروا بعد إيمانهم بهذا الخوض واللعب، وإذا تبين أن مذهب سلف الأمة ومن اتبعهم من الخلف أن هذه المقالة في نفسها كفر استحلها صاحبها أو لم يستحلها، فالدليل على ذلك جميع ما قدمناه في المسألة الأولي من الدليل على كفر الساب مثل قوله تعالى: ﴿ وَمِنْهُمْ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ ﴾ (3)، وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ (4)، وقوله تعالى: ﴿ لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ﴾ (5).وما ذكرناه من الأحاديث والآثار فإنما هو أدلة بينة في أن نفس أذى الله ورسوله كفر مع قطع النظر عن اعتقاد التحريم وجودًا وعدمًا، بل في الحقيقة كل ما دل على أن الساب كافر وأنه حلال الدم لكفره، فقد دل على هذه المسألة، إذ لو كان
(1) التوبة، آية: 65.
(2) التوبة، آية: 66.
(3) التوبة، آية: 61.
(4) الأحزاب، آية: 57.
(5) التوبة، آية: 66.