ويقول شيخ الإسلام(1): «وهذا نبيُّ الله - صلى الله عليه وسلم - كان بمكة هو وأصحابه في غاية الضعف ومع هذا فكانوا يباينون الكفار ويظهرون مباينتهم بحيث يعرف المؤمن من الكافر وكذلك هاجر من هاجر منهم إلى أرض الحبشة مع ضعفهم وكانوا يباينون النصارى». أهـ.
فالذي يكتم إيمانه ينطق بالشهادتين ويقرأ القرآن ويذكر الله ويغتسل من الجنابة ويتوضأ للصلاة يفعل كل ذلك فيقع فيه القول والعمل الظاهر الموافق لما في نفسه ولكن لا يظهره للناس. والذي يكتم إيمانه لا يقع في القول المخالف ولا يترك القول الموافق بينه وبين نفسه وبينه وبين الله بل يصوم ويصلي.
ونحن نتكلم هنا عن حقيقة الإيمان والإسلام أي بين المرء ونفسه وبينه وبين الله ولا يعنينا هنا حكمه على غيره وحكم غيره عليه فهذه مسألة أخري لها ضوابطها سوف نتعرض لها فيما بعد فلا الإكراه يمنع الإقرار مع التصديق ولا العجز أيضًا فإذا فقد الإنسان القدرة على النطق بل إذا فقد حاسة النطق والسمع والبصر وبقي له إدراكه وحاسة اللمس استطاع أن يعبر عما في نفسه والصلاة يقوم بها المؤمن بالإيماء حتى وهو في حالات الاحتضار ويقَدِّر في نفسه حركاتها والإكراه على كلمة الكفر والإجبار على أي شيء كان مؤقت طارئ أما الموقف الدائم بعيدًا عن حالات الإجبار التي لا يمكن أن تستمر دومًا «فلا تشرك بالله وإن قطعت وحرقت»، «ودخل رجل النار في ذبابة» ﴿ وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا ﴾ (2) لابد في ذلك من موافقة ما في النفس بالقول والعمل الموافق وإلا أصبح الإيمان حديث نفس وخواطر قلب أو انقلب إلى شك أو ذهب بالكلية، عرف ثم أنكر، فالإيمان لا يستقر مع القلب كقيم ثابتة إلا بالعمل الظاهر، وبغيره يصير حديث نفس وخواطر قلب وهذا هو معنى ليس الإيمان بالتمني.
(1) منهاج السنة، ج4، ص 108.
(2) الأعراف، آية: 89.