وفيه دليل على أن التوحيد الذي هو إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له وترك عبادة ما سواه هو أول واجب فلهذا كان أول ما دعت إليه الرسل عليهم السلام كما قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾ (1)، وقال - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوت ﴾ (2)، وفي الحديث ”أن الإنسان قد يكون قارئًا عالمًا وهو لا يعرف معنى لا إله إلا الله أو يعرفه ولا يعمل به“ نبَّه عليه المصنف، واعلم أنه لم يذكر في هذا الحديث ونحوه الصوم والحج مع أن بعث معاذًا كان في آخر الأمر كما تقدم فأشكل ذلك على كثير من العلماء، وإيضاح ذلك أنه كان يذكر في كل مقام ما يناسبه، فيذكر تارة الفرائض التي يقاتل عليها كالصلاة، والزكاة ويذكر تارة الصلاة والزكاة، والصيام، إما أن يكون قبل فرض الحج وإما أن يكون المخاطب بذلك ليس عليه حج وأما الصلاة والزكاة فلهما شأن ليس لسائر الفرائض ولهذا ذكر الله تعالى في كتابه القتال عليهما لأنهما عبادتان ظاهرتان بخلاف الصوم. وفي الصحيحين عن سهل ابن سعد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال يوم خيبر: «لأعطين الراية غدًا رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه، فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يُعطاها، فقال: أين علىّ بن أبي طالب، فقيل: هو يشتكي عينيه. قال: فأرسلوا إليه فأتى به فبصق في عينيه، ودعا له فبرأ كأن لم يكن به وجع وأعطاه الراية وقال: انفذ على رِسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه. فو الله لأن يهدي الله بِكَ رجلاً واحدًا خير لك مِنْ حُمْرِ النِّعَمِ».
(1) الأنبياء، آية: 26.
(2) النحل، آية: 36 .