يقول الإمام الشاطبي في هذا(1): وذلك أن الجميع اتفقوا على اعتبار أهل العلم والاجتهاد وسواء ضموا إليهم العوام أم لا فإن لم يُضَمُّوا إليهم فلا إشكال أن الاعتبار إنما هو بالسواد الأعظم من العلماء المعتبر اجتهادهم، فمن شذَّ عنهم فمات فميتته جاهلية وإن ضموا إليهم العوام فبحكم التبع لأنهم غير عارفين بالشريعة، فلابد من رجوعهم في دينهم إلى العلماء فإنهم لو تمالأوا على مخالفة العلماء فيما حدُّوا لهم لكانوا هم الغالب والسواد الأعظم فى ظاهر الأمر لقلة العلماء وكثرة الجهال، فلا يقول أحد أن اتباع جماعة العوام هو المطلوب وأن العلماء هم المفارقون للجماعة والمذمومون في الحديث، بل الأمر بالعكس، وإن العلماء هم السواد الأعظم وإن قلوا، والعوام هم المفارقون للجماعة إن خالفوا، فإن وافقوا فهو الواجب عليهم. ومن هنا لما سئل ابن المبارك عن الجماعة الذين يقتدى بهم أجاب بأن قال: أبو بكر وعمر، قال: فلم يزل يحسب حتى انتهى إلى محمد بن ثابت والحسين بن واقد، قيل: فهؤلاء ماتوا، فمن الأحياء؟ قال: أبو حمزة السكري وهو محمد بن ميمون المروزى. فلا يمكن أن يعتبر العوام في هذه المعاني بإطلاق، وعلى هذا فلو فرضنا خلو الزمان عن مجتهد لم يمكن اتباع العوام لأمثالهم ولا عُدَّ سوادهم أنه السواد الأعظم المنبه عليه في الحديث الذي من خالفه فميتته جاهلية، بل يتنزَّل النقل عن المجتهدين منزلة وجود المجتهدين، فالذى يلزم العوام مع وجود المجتهدين هو الذي يلزم أهل الزمان المفروض الخالي عن المجتهد، وأيضًا فاتباع نظر من لا نظر له واجتهاد من لا اجتهاد له محض ضلالة ورمي في عماية وهو مقتضى الحديث الصحيح «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا». الحديث. روى أبو نعيم عن محمد بن القاسم الطوسي قال: سمعت إسحاق بن راهوية، وذكر في حديث رفعه إلى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنَّ اللهَ لم يكن
(1) الاعتصام، ج2، ص 266، المسألة السابعة عشرة.