وحكموا به، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم. وأما مسألة الاستنصار بهم فمسألة خلافية، والصحيح الذي عليه المحققون منع ذلك مطلقًا، وحجتهم حديث عائشة وهو متفق عليه، وحديث عبد الرحمن بن حبيب وهو حديث صحيح مرفوع، اطلبهما تجدهما فيما عندك من النصوص. والقائل بالجواز احتج بمرسل الزهري، وقد عرفت ما في المراسيل إذا عارضت كتابًا أو سنة. ثم القائل به قد شرط أن يكون فيه نصح للمسلمين ونفعٌ لهم، وهذه القضية فيها هلاكهم ودمارهم، وشرط أيضًا أن لا يكون للمشركين صولة ودولة يخشي منها، وهذا مبطل لقولك في هذه القضية، واشترط كذلك أن لا يكون له دخل في رأي ولا مشورة بخلاف ما هنا. كل هذا ذكره الفقهاء، وشرَّاح الحديث ونقله في شرح ”المنتقى“، وضعّف مرسل الزهري جدًا، وكل هذا في قتال المشرك للمشرك مع أهل الإسلام. أما استنصار المسلم بالمشرك على الباغي، فلم يقل بهذا إلا من شذَّ واعتمد القياس ولم ينظر إلى مناط الحكم، والجامع بين الأصل وفرعه. انتهى.
ونفس الشيء يقرره في رسالة إلى الأخ زيد بن محمد آل سليمان من قوله(1): والشبهة التي تمسك بها من قال بجواز الاستعانة، ما ذكره بعض الفقهاء من جواز الاستعانة بالمشرك عند الضرورة. وهو قول ضعيف مردود، مبني على أثار مرسلة، تردها النصوص القرآنية والأحاديث الصحيحة الصريحة النبوية... إلى قوله: وأما الانتصار على الباغي بالمشرك عند الضرورة، فهو قول فاسد، لا أثر فيه ولا دليل عليه. إلا أن يكون محض القياس وبطلانه أظهر شيء في الفرق بين الأصل والفرع، وعدم الاجتماع في مناط الحكم. انتهى.
(1) مجموع الرسائل والمسائل، ص 164.