إثبات العلم الضروري: ضرورة الفطرة، لا تقوم الحجة بالرسل حتي تقوم الحجة بالفطرة وميثاقها وإذا كان كذلك فإن الله يعذب بها على الشرك كحجة مستقلة فيما يختص بها من توحيد الربوبية ونفي نواقضه من الكذب على الله أو صرف حقه في العبادة إلى غيره كما مرَّ في سور القرآن.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في الرسالة ”الأصفهانية“ (1): «ثم قال المصنف: والدليل على نبوة الأنبياء المعجزات، والدليل على نبوة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - القرآن المعجز نظمهُ ومعناه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: هذه الطريقة هي من أتم الطرق عند أهل الكلام والنظر... ثم لهم في تقرير دلالة المعجزة على الصدق طرق متنوعة وفي بعضها من التنازع والاضطراب ما سننبه عليه، والتزم كثيرٌ من هؤلاء إنكار خرق العادات لغير الأنبياء حتي أنكروا كرامات الأولياء والسحر ونحو ذلك. وللنظار هنا طرق متعددة منهم من لا يجعل المعجزة دليلاً بل يجعل الدليل استواء ما يدعو إليه وصحته وسلامته من التناقض... ومنهم من يوجب تصديقه بدون هذا وهذا، ومنهم من يجعل المعجزة دليلاً ويجعل أدلة أخري غير المعجزة وهذا أصحَّ الطرق ومن لم يجعل طريقها إلا المعجزة اضطر لتلك الأمور التي بها تكذيب لحق أو تصديق لباطل ولهذا كان السلف والأئمة يذمون الكلام المبتدع فإن أصحابه يخطئون إما في مسائلهم وإمَّا في دلائلهم ... وليس الأمر كما زعموا ـ أن لا طريقة إلا المعجزة ـ بل معرفتها بغير المعجزات ممكنة فإن المقصود إنما هو: معرفة صدق مدعي النبوة أو كذبه... وإن شئت قلت هذا خبر. فإما أن يكون مطابقًا للمخبر، وإما أن يكون مخالفًا له سواءٌ كانت مخالفته له على وجه العمد أو الخطأ إذ قد يظن الرجل في نفسه أو غيره أنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غير متعمد للكذب بل خطأ وضلال مثل كثير ممن يتمثل له الشيطان ويقول أني ربُّك ويخاطبه بأشياء وقد
(1) الفتاوى الكبرى، طبعة دار المنار، ج5، ص 509-529.