قلت: فهذه النصوص كلها صريحة في ذم الاختلاف والتفرق، وأقوال المفسرين كلها مجتمعة على أن المراد بهذا التفرق مخالفة الجماعة حساً ومنجهاً على أصل بدعي مستحدث يمس كلياً من كليات الدين، على تعدد بينهم في التمثيل لذلك فبعضهم يذكر اليهود والنصارى وبعضهم يذكر أهل الاهواء في هذه الملة والحق أن الذم يتعلق بكل ذلك لأنه مخالف لرسم النبوة بلا خلاف.
المطلب الثاني: الآثار التفصيلية للبدع في الأمة:
لقد تقدم معنا في تاريخ ظهور البدع (1) نبذة عن التطور التاريخي لأبرز البدع الكلية في هذه الأمة، وذكرنا قول من قال إن بدعة الخوارج كانت أول ما ظهر وقول من قال إن بدعة القدرية هي أول ما ظهر من أصول الافتراق في هذه الأمة، ولقد رجحت في ذلك الموضع أن تكون الأولية أولية نسبية أي أن أول ما ظهر من الفرق التي فارقت الجماعة حساً باجتماعها هي على أصل بدعي هم الخوارج وأن بدعة القدرية كانت أول البدع الفكرية العقدية المنهجية ظهوراً كما هو في حديث ابن عمر عند مسلم في أول كتاب الإيمان (2). ولعل هذه التوطئة تمهد لتقسيم أنواع آثار البدع السيئة في الأمة إلى القسمين التاليين:
أولاً: الافتراق العملي الحسي
ثانياً: الافتراق العلمي العقدي
وهذا التقسيم فيه شيء من التداخل لأن الافتراق الحسي لا يكون إلا باجتماع على أصل بدعي ضال، ولكن فائدة التقسيم تظهر من حيث الآثار المترتبة على الأمة كما سيظهر في الأمثلة التالية.
أولاً: الافتراق العلمي العقدي:
إن أخطر آثار البدع تتمثل في معارضتها الشريعة في أصولها الكلية أو في منهج فهم وتطبيق نصوص الشريعة الدالة على هذه الأصول، حتى إذا تأصلت مثل هذه المحدثات واتخذها بعض المنتسبين إلى الإسلام معقداً للولاء والبراء فضلوا بذلك عن جادة الحق، حدث الشرخ بين هذه الجماعة وبين جماعة الإسلام الأصيلة المتمسكة بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا التسلسل في نشأة الفرقة والخلاف قد دل عليه حديث النبي صلى الله عليه وسلم فقد قال العرباض بن سارية: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة
(1) راجع غير مأمور المطلب الثاني من المبحث الأول من هذا البحث
(2) صحيح مسلم - 1/ 36 - 37