فالاحتكام إلى الطاغوت والحالة تلك كشرب الخمر وأكل الميتة وأكل لحم الخنزير ونحوها ولا فرق، وفي هذا من فساد الدين ومخالفة كلام رب العالمين ما لا يخفى شناعته، بل هو فتح لباب الارتداد عن الدين القيم على مصراعيه، ولا أفسد من ملزوم يكون هذا حال لازمه!!
وإن قال: بل استحال إلى كونه مباحاً.
ففيه ما تقدم، وزيادة على ذلك أن يقال: فإذا كان قد استحال مباحاً فما بالك اشترطت لفعله الاضطرار؟!!
وهذا الوجه والذي سبقه مجلِّيان لمعقد الشبهة ومنشأ الغلط الذي دخل على من جوز الاحتكام للطاغوت حالة الاضطرار، فإنهم خلطوا بين وصف الفعل في ذاته، ووصف الفاعل لذلك الفعل، وصيروا دخولَ المانع على الثاني مُحيلاً للأول عن حقيقته، فخالفوا الشرع والعقل إذ خالوا إمكان تغيُّر حقائق الأفعال واستحالتها مع ثبوت صفاتها وخصائصها التي مازتها في الأصل عن غيرها، وعن هذا الفعل المدعى استحالتها إليه، فكانوا كمن رام الجمع بين الضدين! والحال أن ما توهموه سفسطة في العقل! واعتساف في النقل!
فإذا نظروا إلى المحتكم إلى الطاغوت اضطراراً عند غياب سلطان الشرع، ونظروا بعينٍ أخرى إلى عدم انفكاكه في غالب الأمر عن عذرٍ يمنع تكفيره، وتحققوا أن الشرعة المطهرة قد بسطت إعذار هذا الضرب، كرّوا عائدين بما تأولوه من محتمل النصوص إلى نفس الفعل الذي قارفه من قد بان بسْطُ عذره في الشرع، فأحالوه عن حقيقته أول مرة من كفر إلى لا كفر! لا لشيء إلا لِما شهدوه من دخول أغلبي للمانع على المُقارف! فصيروا المانع العارض على المكلف والذي يدرأ عنه تعدية وصف الفعل، مُحيلاً لذات الفعل عن وصفه الذي ما عرض المانع إلا لدرئه عن الفاعل! وحينئذٍ لم يعُد ذلك المانع مانعاً بل استحالَ إذ أحال، وانقلب بعد أن قَلَب! ولا تسل كيف أحالَ ولا كيف استحال! فهي طفرة نظّاميَّة عصرية!!
ولو صح لهؤلاء ما توهموه لكانت الأشياء والأفعال متحدة الحقائق، ولصح أن يكون الإيمان كفراناً والكفران إيماناً لمجرد خطاب الشارع تعالى وتقدس، ولجاز أن يكون القبيح حسناً، والحسن قبيحاً لنفس الخطاب!! وهذه كما تُعاين أشعرية بالإيالة؟!
وآية هذا أن يُطالبَ المجيز للاحتكام إلى الطاغوت بإثبات افتراق حقيقة الفعل المتنازع فيه بين الصورة المتفق على حكمها عند وجود حكم الله، والصورة المتنازع فيها عند غيابه، ودون إيجاده فرقاً يثبت اختلاف حقيقة الفعل في