وإن قال بالثاني، قلنا له: فإذا كان في ذاته عملاً كفرياً فقد خرقت إجماع أهل السنة إذ أجزت إتيان الكفر للاضطرار من غير إكراه!!
وإن قال بالثالث، قلنا له: قد أبَنْتَ عن مبلغ علمك! إذ حكم الله أمرٌ خارجٌ لا يُحيلُ وصفَ ذات التحاكم إلى الطاغوت وجودُهُ أو غيابُهُ، وليس هو من أوصاف وخواص حقيقته التي تَحَصَّلَ بها امتيازه عن غيره، فضلاً عن كونه خاصته التي لو استحالت لاستحال، فأنّى ينقله من حكم إلى حكم، نعم لوجود حكم الله أو غيابه أثرٌ في تنزيل الحكم على المعينِ المتحاكم إلى الطاغوت، وليس هذا ما نحن فيه، إنما الكلام في تغير وصفِ ذاتِ فعلِ التحاكم إلى الطاغوت لوجود حكمِ الله أو عدمِهِ، ولا أثر على ذات الفعل المكفر بوجود الأمر الخارج عن حقيقته أو غيابه.
فانحصر الأمر في الخيار الثاني، وثَبَتَ كون مبيح الاحتكام إلى الطواغيت لاسترداد الحقوق عند غياب حكم الله للاضطرار خارقاً لإجماع أهل السنة.
يزيد هذا الوجه تقريراً:
الوجه الثاني عشر: ويقال له: إذا كان التحاكم إلى الطاغوت كفراً في ذاته، فلم أجزته لاسترداد الحقوق عند غياب حكم الله؟ فهل استحال وصفُ ذاته عن كونه كفراً لغياب حكم الله؟ أم بقي وصف الكفر ملازماً له في الوجود والغياب؟
فإن قال: بقي وصف الكفر ملازماً له في الوجود والغياب، فقد تبينا خرقه للإجماع إذ أجاز فعل الكفر للضرورة من غير إكراه كما تقدم.
وإن قال: بل استحال وصفُ ذاتِ فعلِ التحاكم إلى الطاغوت عن كونه كفراً لغياب حكم الله.
فيقال له: فهل استحال بعد أن كان كفراً إلى الحرمة؟ أم إلى الإباحة؟
فإن قال: قد استحال إلى الحرمة.
قلنا له: فيلزمك لزوماً لا انفكاك لك عنه أن لا تكفر من احتكم إلى الطاغوت عند غياب حكم الله إذا لم يكن مضطراً، فما دام ذات فعل الاحتكام إلى الطواغيت قد انتقل من كفرٍ إلى حرمة بغياب حكم الله، فكل من احتكم إلى الطاغوت عند غياب حكم الله فليس بكافر، إذ الاحتكام إذ ذاك محرم، وفاعل المحرم آثم إلا من ضرورة،