تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الاعتقاد بالشيء بناء على الدليل الظني لا بد من بيان حكمه صراحة، ولا يكفي أن يقال لا يجب الاعتقاد به، لأن كلمة "لا يجب" ليست حكماً شرعياً معيناً، ونفي الوجوب عن شيء يجعله محتملاً أن يكون مندوباً أو حراماً أو مكروهاً أو مباحاً، ولا يعطيه حكماً شرعياً معيناً. وحتى يعرف الحكم الشرعي للشيء لابد أن يعرف دليله، وبالرجوع إلى "دليل الاعتقاد بناء على الدليل الظني" يتبين أن ليس فرضاً ولا مندوباً ولا مباحاً، لأن الدليل الذي دل عليه جاء نهياً، ولم يأت أمراً ولا تخييراً، فالله تعالى يقول: " مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ"(1) وقال: "مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ"(2) وقال: " إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ"(3) وهذه كلها ليس فيها أمر ولا تخيير، بل كلها تفيد النهي، فيكون الأمر فيها محصوراً بين الكراهة والحرمة، ولا يرد عليها شيء من الإباحة أو الندب أو الوجوب، ولذلك يحصر البحث بالذم، والذم إذا اقترن بالنهي ولم يكن هناك دليل آخر يصرفه عن الحرمة؛ كان النهي دالاً على الحرمة، وبما أنه لا يوجد آخرُ يصرف النهي هنا عن الحرمة؛ فيكون اقترانه بالذم دليلاً على أنه حرام؛ وعليه يكون الاعتقاد بشيء بناءً على الدليل الظني حرام لورود النهي عنه مقروناً بالذم.

وهذا خاص بالاعتقادات لأنه جاء دليلاً عليها، ولا ينطبق على الأعمال؛ لأنه لم يأت دليلاً عليها ولأنها لا تدخل في الاعتقادات فهي غير واردة في هذا المقام مطلقاً.

وقبل أن نناقش الدليل الذي اعتمده القائلون بوجوب الاستدلال بالظني في العقائد لا بد أن نأتي بالدليل الذي يحصر الاستدلال على العقائد بالدليل القطعي الجازم فقط ويحرم الاستدلال بالظني على العقائد.

(1) النساء / 157

(2) يوسف / 40، النجم / 23

(3) الأنعام / 116، يونس / 66، النجم / 23.

الاستدلال بالظني في العقيدة · الصفحة ٩١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الاستدلال بالظني في العقيدةص ٩١