المريضة طرقاً مختلفة، فبدئوا يؤولون الحديث بما يوافق أهوائهم وعقولهم، فإن أعياهم تأويل الحديث ولم يجدوا إلى ذلك سبيلاً، لجئوا إلى ردِّ الحديث؛ فإن كان غيرَ متواترٍ، استراحوا وقالوا هذا خبر آحاد ظني لا نقبله مطلقاً، وهذا هو نفس منهج المعتزلة القدماء، أما أتباعهم المعاصرون؛ فقد قصروا قبول خبر الآحاد على الأحكام دون العقائد، وليس لديهم على هذا التفريق دليل صحيح، وهم مع ذلك لا يلتزمون بهذا التأصيل الذي أصلوه في خبر الآحاد، فحتى في الأحكام يردون بعض الأحاديث الظنية! فعاد الأمر إلى الهوى وتحكم العقل، ولا يعنيهم بعد ذلك أن يكون في الصحيحين أو في غيرهما من كتب الحديث، وإن كان متواتراً بحثوا في سنده، فإن كان أحد رواته قد روى شيئاً من الإسرائيليات ردّوا حديثه لأنه قد يكون مأخوذاً من التوراة، أو بحثوا في سيرة رواته علّهم يجدون قشّةً يتعلقون بها للطعن بهم حتى يردّوا الحديث.
وقد تطاول العصرانيون على الصحابة ـ خصوصاً رواة الأحاديث ـ ونالوا من عِرضهم وكذّبوهم، معرضين بذلك عن تزكية الله لهم، وثناء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليهم.