وسعتُ كتابَ الله لفظاً وغايةً ... وما ضقتُ عن آي به وعظات
فكيف أضِيق اليومَ عن وصفِ آلةٍ ... وتنسيقِ أسماءٍ لمخترعات
أنا البحرُ في أحشائِه الدرُّ كامنٌ ... فهل سألوا الغوّاصَ عن صَدَفاتي؟!
وأخيراً ما أجملَ أن نجمع بين سلامة اللغة وسلامة السلوك، بين صحة العقيدة وصحة النطق والخلق، بين الاستقامة في الحياة والاستقامة في الكلام، بين الإخلاص والصدق في الأقوال والأفعال والأعمال.
وأختم الموضوع بقصة طريفة ذكرَتْها كتب الأدب:
وهي أن واعظاً أخطأ في اللغة فقالَ له نحوي: أخطأتَ يا لُحنَة.
فقال له الواعظ:
أيها المعربُ في أقواله، اللاحن في أفعاله، ما لي أراك معاتباً منكراً؟ أكل ذلك لأنك رفعت ونصبت وخفضت وجزمت. هلا رفعت إلى الله يديك في جميع الحالات والحاجات، ونصبت بين عينيك ذكر الممات، وخفضت نفسك بعيداً عن الشهوات، وجزمتها عن إتباع المحرمات.
أوما علمت أنه لا يُقال لك يوم القيامة:
ألا كنت فصيحاً معرباً؟ وإنما يقال لك: لم كنت عاصياً مذنباً؟ ولو كان الأمر كما زعمتَ والخطبُ كما حكمتَ لكان هارون أحق بالتقديم بالرسالة من موسى لأنه كانَ أفصحَ منه.
فجعلهَا الله في موسى قبلَ هارون لفصاحة جنانه، لا لفصاحة لسانه.
ثم أنشد:
مجازفٌ في الفِعال ذو زَلَلِ ... فإذا قالَ قولَه وزنَه
قالَ وقد أعجبته لفظته ... تيهاً وعجباً: أخطأت يا لحنة
فقلت أخطأ الذي يقوم غداً ... ولا يُرى في كتابه حسنة
ولعل القصة مؤلفة وليست واقعية، لأن واعظاً يحسن هذا الجواب ما أظن أنه يُخطئ كثيراً في اللغة، لأن «اللُّحنة» على وزن «فُعَلَة» وهو كثير الخطأ واللحن في اللغة، وعلى أية حال ففي القصة عبرة ودرس يدعونا إلى إصلاح العمل بالإضافة إلى إصلاح القول. والحمد لله الذي تتمُّ بنعمته الصَّالحات