تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبهذه المناسبة، أجد قسماً من الدول العربية الغنية تغدق الأموال الطائلة على العلماء، أو على المشتغلين بالعلم بتعبير أدق، لأن العالم حقاً لا يُغرى بالمال.

وأشهد أن إغداق الأموال الطائلة على المشتغلين بالعلم أو تجار العلم، أفسد العلم، لأن تجار العلم انتهزوها فرصة للإثراء السريع، فأخذوا يكتبون أي شيء ويحاضرون بأي كلام، ليقبضوا الأموال بسرعة، لأن الكتابة الأصلية تستغرق وقتاً طويلاً في البحث والتنقيب والإعداد، لذلك يكتبون أي كلام ليتقاضوا الأجر المادي، وهذه الكتابة المتهافتة الهزيلة تنجز بسرعة، ويتقاضى عليها الأجر نفسه الذي يتقاضاه على البحث الأصيل، بينما يستغرق إعداد البحث الأصيل أضعاف ما يستغرقه البحث الهزيل من وقت، ولهذا يُؤْثِر البحث الهزيل على البحث الأصيل حباً بالمال، مما أدى إلى ضعف مستوى الكلمة المكتوبة، فأصبحنا نشم رائحة المال منها ولا نشم رائحة العلم.

وما يقال عن الكلمة المكتوبة، يقال عن الكلمة المسموعة.

أما إذا جرى انتداب تجار العلم للنهوض بواجب علمي معين، فإنهم يستغرقون وقتاً لإنجازه، هو أضعاف الوقت المناسب لإنجازه، فهم يعملون من الحبة قُبَّة لكي يقتنصوا أضخم مبلغ ممكن من المال، ومن المشكوك جداً أن ينجز هؤلاء عملاً علمياً كما ينبغي، لأنهم تجار وليسوا علماء حتى ولو كانوا علماء حقاً.

وتجار العلم يكتبون ويقولون ما (يحب ُّ) أن يسمع دافع الأموال لهم سواء أكان الدافع حكومة أو شعبياً، وهذا ليس علماً بل نفاقاً.

أما العالم المخلص في عمله، فيكتب ويقول ما (يجب ) أن يسمع دافع الأموال، لأن كلمة العلم فوق كل كلمة، ونعم الأمراء على أبواب العلماء، وبئس العلماء على أبواب الأمراء.

إن أدعياء العلم، وتجار العلم، وعلماء السلطان، لا مكان لهم في كتابة العسكرية الإسلامية، لأنهم يضرون ولا ينفعون، ويعمرون جيوبهم بخراب قلوبهم.

العسكرية العربية الإسلامية · الصفحة ١١٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

العسكرية العربية الإسلاميةص ١١٢