تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولو مُزِجَ كلامُه بغيره لتميَّز بأسلوبه،ولظَهَر فيه آثارُ التنافر، فلم يَلتبس حَقُّه من باطِله،ولَبانَ صِدقُه من كذبِه (1) .

هذا،ولم يكن مُتعاطِياً للبلاغة،ولا مُخالِطاً لأهله من خُطَباءَ أو شُعراءَ أو فُصحاء (2) ،وإنما هو من غرائز فِطْرَتِه،وبِدايةِ جِبِلَّتِه (3) ،وما ذاك إلاّ لِغايةٍ تُراد،وحادثةٍ تُشاد (4) .

4 وأما الوجه الرابع في فضائل أفعاله،فمختَبَرٌ بثمانِ خِصال :

الخَصْلة الأولى : حُسُن سيرته،وصِحّةُ سِياستِه،في دينٍ نقلَ به الأُمّة عن مألوف،وصَرَفهم به عن معروفٍ إلى غير معروف (5) ،فأذْعَنَتْ به النفوسُ طوْعاً،وانقادَتْ له خوفاً وطَمَعاً،وليس ذلك بالسهل اليسير،إلاّ لمن كان مع التأييد الإلهي مُعاناً بحَزْمٍ صائب،وعزْمٍ ثاقب .

ولئن كان مأموراً بما شرع،فهي الحُجّةُ القاهرة،ولئن كان مجتهداً فيه فهي الآيةُ الباهرة،وحسبُك بما استقرَّتْ قواعدُه على الأبد حتى انتقَلَ عن سَلَفٍ إلى خَلَف تزدادُ فيهم حلاوتُه،وتشتدُّ فيهم جِدَّتُه،ويَرَوْنه نظاماً لأعصار تتقلَّبُ صُروفُها،ويختلف مألوفُها أن يكون لمن قام به بُرهاناً،ولمن ارتاب به بياناً .

والخَصْلة الثانية : أنه جَمَع بين رغبةِ من استمال،ورهبةِ من استطاع،حتى اجتمع الفريقان على نُصرتِه،وقاموا بحقوقِ دعْوتِه،رَغَباً في عاجل وآجل،ورَهباً من زائلٍ ونازِل،لاختلافِ الشِّيَم والطباع في الانقياد الذي لا يَنتظمُ بأحدهما،ولا يَستديمُ إلاّ بهما،فلذلك صار الدّين بهما مستقراً،والصلاح بهما مستمراً .

(1) - يعني : لو كُذِبَ عليه - صلى الله عليه وسلم - ، وقيل على لسانه كلامٌ لم يقله ، لعُرِفَ كلامُه الحقُّ من الكلام الباطل المكذوب عليه ، بأمارةِ فصاحته وتميُّزِ أسلوبه .

(2) - أي لم يكن - صلى الله عليه وسلم - مخالطاً لهؤلاء على سبيل التعلُّم والتلقف منهم .

(3) أي خِلْقتِه .

(4) وهي القيام بأعباءِ النبوة وإبلاغِها للناس .

(5) - أي صَرَفهم عن شيء معروف عندهم مألوف بينهم ، إلى أمرٍ جديد عليهم ، غير معروفٍ لديهم ، وفي التمكن من ذلك صُعوباتٌ لا تخفى جَسامتُها .

الأساليب النبوية في التعليم · الصفحة ١٢٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الأساليب النبوية في التعليمص ١٢٩