تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لم تكن بداية الدعوة بنصح مباشر، إنما كانت بسؤال مطروح، ليوقظ قلبه ويستنهض تفكيره، فسأله أولاً عن العائد من عبادة أصنام لا تسمع ولا تبصر ولا تغني عنه شيئاً. ((وهذا برهان جلي دال على أن عبادة الناقص في ذاته وأفعاله مستقبح عقلاً وشرعاً))(1). ويقول الشهرستاني (ت 548هـ): ((ولما كان أبوه آزر هو أعلم القوم بعمل الأشخاص والأصنام ورعاية الإضافات النجومية فيها حق الرعاية، ولهذا كانوا يشترون منه الأصنام لا من غيره، كان أكثر الحجج معه، وأقوى الإلزامات عليه، إذ قال (عليه السلام) لأبيه آزر: أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين، وقال: يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً. لأنك جهدت كل الجهد، واستعملت كل العلم، حتى عملت أصناماً في مقابلة الأجرام السماوية، فما بلغت قوتك العلمية والعملية إلى أن تحدث فيها سمعاً وبصراً، وأن تغني عنك وتضر وتنفع، وأنت بفطرتك وخلقتك أشرف درجة منها، لأنك خلقت سميعاً بصيراً نافعاً ضاراً، والآثار السماوية فيك أظهر منها، في هذا المتخذ تكلفاً))(2). ويقول الألوسي (ت 1270هـ): ((ولقد سلك (عليه السلام) في دعوته أحسن منهاج، واحتج عليه أبدع احتجاج، بحسن أدب وخلق ليس له من هاج، لئلا يركب متن المكابرة و العناد، ولا ينكب بالكلية عن سبيل الرشاد، حيث طلب منه علة عبادته لما يستخف به عقل كل عاقل، من عالم وجاهل، ويأبى الركون إليه، فضلاً عن عبادته التي هي الغاية القاصية من التعظيم، مع أنها لا تحق إلا لمن له الاستغناء التام، والإنعام العام...))(3).

3- التنبيه بحذر

(1) السعدي، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان 5/110.

(2) الملل والنحل ص305.

(3) روح المعاني 16/97. وانظر تفسير المراغي 16/56.

الأقربين في القرآن الكريم · الصفحة ١٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الأقربين في القرآن الكريمص ١٤