لأحدٍ بالشفاعة له. (1)
يقول القاضي عبد الجبار- أحد كبار مشايخ المعتزلة - في بيان رأي المعتزلة في الشفاعة:
"لا خلاف بين الأمة في أنَّ شفاعة النبي -صلى الله عليه وسلم- ثابتة للأمة، وإنما الخلاف في أنها تَثبُتُ لِمَنْ؟ "،
ثم قال: "فعندنا أن الشفاعة: للتائبين من المؤمنين".
ويقول في موضع آخر: " ... فحصلَ لك -بهذه الجُملةِ- العلمُ بأنّ الشفاعة ثابتة للمؤمنين، دُونَ الفُسّاقِ من أهل الصلاة". (2)
* وأوّلُ مَن أنكرَ الشفاعة في أهل الكبائر هم الخوارج، وذلك في آخِرِ عصر الصحابة -رضي الله عنهم-، ثم سار على دربهم -في إنكار الشفاعة في أهل الكبائر- المعتزلةُ الذين ظهروا في عصر التابعينَ، ووافقوا الخوارج في مآلِ فاعل الكبيرة، فقالوا بخلوده في النار.
** وقد أنكر الصحابة -رضي الله عنهم- مذهب الخوارج في ذلك، وحدَّثوهم بما سمعوا من النبي -صلى الله عليه وسلم- في ذلك.
قَالَ يَزِيدُ الْفَقِيرُ:
كُنْتُ قَدْ شَغَفَنِي رَأْيٌ مِنْ رَأْيِ الْخَوَارِجِ، فَخَرَجْنَا فِي عِصَابَةٍ ذَوِي عَدَدٍ نُرِيدُ أَنْ نَحُجَّ، ثُمَّ نَخْرُجَ عَلَى النَّاسِ، قَالَ:
فَمَرَرْنَا عَلَى الْمَدِينَةِ، فَإِذَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ، جَالِسٌ إِلَى سَارِيَةٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: فَإِذَا هُوَ قَدْ ذَكَرَ الْجَهَنَّمِيِّينَ، قَالَ:
فَقُلْتُ لَهُ: يَا صَاحِبَ رَسُولِ اللهِ، مَا هَذَا الَّذِي تُحَدِّثُونَ؟ وَاللهُ يَقُولُ:
﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: 192] وَ ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة: 20]، فَمَا هَذَا الَّذِي تَقُولُونَ؟
قَالَ: فَقَالَ: «أَتَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟»
قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «فَهَلْ سَمِعْتَ بِمَقَامِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَعْنِي الَّذِي يَبْعَثُهُ اللهُ فِيهِ -؟» قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ:
«فَإِنَّهُ مَقَامُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَحْمُودُ الَّذِي يُخْرِجُ اللهُ بِهِ مَنْ يُخْرِجُ»، قَالَ: ثُمَّ نَعَتَ وَضْعَ
(1) وانظر التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع (ص/128)، ومقالات الجهم (ص/684).
(2) وانظر شرح الأصول الخمسة (ص/688)، ونص على مثله في" فضلُ الاعتزال، وطبقاتُ المعتزلة " (ص/73).