إن التصور أو الرؤية المسيحية المبكرة للحقيقة ـ كما تنعكس في الكتابات المقدسة ـ هي ذات طبيعة ديناميكية (فعالة حيوية) غنية بالواقع التاريخي والخيال معاً، و لا يقصد بالخيال هنا معنى تحقيرياً بل المقصود منه تفسير غني للحقيقة يجعل لها معنى ومغزى.
فالأسطورة و الخيال كان لهما نفوذهما في كتاب العهد الجديد تماماً مثلما كانا ذا نفوذ في كتاب العهد القديم ومثلما هما نافذان في كل أنحاء الشرق الأدنى القديم.
إن التحقيق العلمي الذي قام به " رودولف بولتمان " Rudolf Bultma لكتاب العهد الجديد يوضح لنا كثيراً من الأبعاد الخيالية (الأسطورية) في الكتابات المقدسة المسيحية.
فقد بين لنا أن الناس في الأزمنة المعاصرة لتدوين العهد الجديد كانوا يعتقدون أن العالم يتألف من ثلاث طبقات هي الجنة و الأرض والجحيم، و كانوا يعتقدون أنه يمكن للكائنات فوق الطبيعية أن تصعد و تهبط كما في مصعد سماوي ([3]) و بهذا يجعلون تدخل كائنات فوق طبيعية، و البعث و الصعود و المجيء الثاني للمسيح أمراً قابلاً للتصديق.
لقد توقعت الجماعة المسيحية الأولى عودة عيسى كابن الإنسان آتياً على سحاب السماء حاملاً معه الخلاص للبعض و الإدانة و الهلاك لآخرين كقاض " دائن " للعالم، و مفتتحاً مملكة الله على الأرض. هذه الرؤيا الأخروية Eschatological هي في الواقع صورة خيالية (أسطورية).
بالإضافة لذلك لقد تم وضع عيسى في إطار و محيط ميثولوجي (أسطوري) عندما قيل عنه أنه ولد من روح القدس ومن والدة عذراء ([4]).
و علاوة على ذلك فمفهوم " ابن الله الذي كان موجوداً قبل العالم ثم نزل بشكل بشري ليخلِّص البشرية " يشابه تماماً بعض أساطير التخليص القديمة.
و عبارات العهد الجديد " نزل من السماء " أو ببساطة " نزل "، تشير إلى حصول حركة في الفضاء و لا تصف طبيعة العمل التخليصي لله، فهي أسطورية في شكلها ([5]).