تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد تنحل عرى الجوار بانتفاء السبب الموجب له؛ فالعرب ((كانوا يتجاورون في الشتاء لشدة الزمان، وعدم الخصب، وكثرة غارة بعضهم على بعض، فإذا أقبل الصيف رجع كل جار إلى أهله ومحضره))((1)). فرابطة الجوار انتماء مؤقت، وكذلك ما يشبه الجوار، يقول الحطيئة((2)):

وإنَّ الجارَ مِثْلُ الضَّيْفِ يَغْدُو ... لوجْهَتهِ، وإنْ طالَ الثَّواءُ

فالجوار قد يطول، ولا يكون ذلك إلا باستمرار توافق مصالح المشاركين فيه، ولمعرفة تلك المصالح يحسن أن نتعرف الدوافع إلى طلب الاستجارة.

***

ب- دوافع الاستجارة ومنافعها: إن من يطلب الجوار وشبهه في الأباعد نسباً يكن مستضعفاً على الأغلب، ويستوي في ذلك الأفراد والجماعات؛ فالمستجير قد يكون طريداً، مطلوباً دمه، يقول شيبان بن دثار النمريّ يمدح مجيره الزبرقان بن بدر((3)):

منْ يَكُ سائلاً عنِّي فإنّي ... أنا النَّمريُّ جَارُ الزَّبْرقَانِ

طريدُ عَشيرةٍ وَطَرَيدُ حَرْبٍ ... بما اجَتَرَمتْ يَدي وَجَنَى لِسَاني

(1) شعر زهير ص136. وقد كثرت أحاديث الشعراء عن ارتحال الخليط الذي تقرره كل جماعة بمفردها. ويبدو أن بعض الجماعات كانت ترتحل سراً خوفاً من الغارة عليها في أثناء مسيرها (انظر ديوان الحطيئة ص153- 154)، وفي ذلك ما يدل على أن الجماعات المتخالطة تنتهي خفرة بعضها بعضاً بالارتحال، ولكن بعض الجماعات المخالطة كانت ترتحل علناً مدلة بذلك على قوتها، وعدم تخوّفها من جيرانها (انظر شرح ديوان كعب ص92، وشرح اختيارات المفضل 1/280- 281)، ولمزيد من الأشعار الدالة على ارتحال الخليط انظر ديوان بشر ص54- 55- 61- 177- 178- 291، وديوان عبيد ص83، وديوان الشماخ ص241- 242، وديوان عمرو بن قميئة ص106- 116، وديوان قيس ص171، وشعر زهير ص59، 74- 76.

(2) ديوان الحطيئة ص87. ويقول الطفيل الغنويّ (ديوانه ص85): ((كلُّ جارٍ مُوَدَّعُ)).

(3) النقائض 2/714- 715 وأبان: جبل.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة * · الصفحة ٤٦٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة *ص ٤٦٤