وثمة دلالة مهمة في خبر ارتحال بني حوتكة إلى مصر؛ فقد جاء فيه:" وسارت حوتكة بعد إلى مصر... ويُقال إنّ الذين بمصر عامتهم أنباط" (1)؛ فالإشارة إلى تحول الصرحاء إلى أنباط تدل على أهمية البعد المكاني عن الأصول، وعلى أهمية العامل الاقتصادي في ضياع الأنساب الصريحة، وتفتح أمام الباحث مجالاً للقول بأن الجزيرة العربية بحدودها الطبيعية قد ضمت عرباً مجهولين إضافة إلى العرب الصرحاء الذين وصلت إلينا أخبارهم، وأن أولئك المجهولين منهم أنباط يعملون بالزراعة، ومنهم مهنيون يقيمون في المدن(2)؛ فالأخبار التي وصلت إلينا تشير إلى حركة الارتحال والاستيطان ولكنها لاتستوعب تلك الحركة، ولاتظهر أثر الاستيطان في العراق والشام ومصر على لغة المرتحلين وعلى عاداتهم وتقاليدهم.
(1) -المصدر السابق 1/40.
(2) -جاء في تاريخ الطبري 1/611:" وكان يقال لعاد إرم، فلما هلكت قيل لثمود إرم، ثم سُمُّوا الأرمانيين؛ وهم بقايا إرمَ، وهم نَبَط السواد" ومن المحتمل وجود اعتقاد عند بعض الجاهليين بأن الإرميين من العرب، ويدل على ذلك قول أبي مُقَرّر حين فتح خالد بن الوليد (الثَّنَي): "فلم نترك بها إرماً وعجماً" فأخرج بذلك إرماً من جنس الأعاجم. انظر شعر أبي مُقَرّر في معجم البلدان :" الثَّنِيّ".