وأما تغلغل العرب في التخوم فكان واضحاً، وحسبنا أن نشير هاهنا إلى وجود دولتين عربيتين أقيمتا لتشكلا تخوماً تفصل بين العرب من جهة، والفرس والروم من جهة ثانية، ولتفصلا أيضاً بين الفرس والروم من جهة ثانية، ولتفصلا أيضاً بين الفرس والروم. ولكن المرتحلين استطاعوا أن يتخطوا نفوذ المناذرة والغساسنة لتغدو الأماكن التي يحكمها المناذرة والغساسنة عربية تخضع لنفوذ أجنبي، ومن ثم ظهرت تخوم جديدة حلت فيها القبائل المرتحلة في الجاهلية، ومن الأخبار الدالة على ذ لك أن بطونا من قضاعة ساروا إلى أطراف الجزيرة (مابين الفرات ودجلة) وخالطوا قراها، وكثروا بها، وغلبوا على طائفة منها، فاصطدموا مع الفرس في معركة هُزم فيها الأعاجم، فقال جُدَيّ بن الدِّلهاث القضاعي (1):
صففنا للأعاجمِ من مَعَدٍّ ... صُفُوفاً بالجزيرة كالسَّعيرِ
لَقِنَاهُمْ بجمعٍ من عِلافٍ ... تَرَادى بالصَّلادِمّة الذُّكُورِ
فلاقت فارسٌ منهمْ نَكالاً ... وقاتَلْنا هَرَابِذَ شَهْرَزُورِ
وإلى سواد العراق ارتحلت إياد وفي ذلك يقول أبو دوُاد الإيادي(2):
وأسهلنا، وسَهْلُ الأَرْضِ يُخْشَى ... بِجُرْدِ الخَيْلِ مُشْنَقَةَ القِيادِ
فنازّعْنا بني الأَحرارِ حَتَّى ... عَلَفْنا الخَيْلَ مِنْ خِضِرِ السَّوادِ
وأوغل بعض الصرحاء في الارتحال فوصلوا إلى أعالي الجزيرة، إلى رأس العين في أقصى الشمال الشرقي من حدود بلاد الشام، فإلى رأس العين وصل بعض بني تميم وبني بكر بن وائل، وكانت بينهما وقعة قُتل فيها فارس بكرٍ، معاوية بن فراس، فقال شاعر تميمِيّ(3):
(1) - معجم البلدان: (جزيرة أَقُور). وعلاف: إليه يرجع بنو عوف وبنو جرم من قضاعة.
والصلادمة: الخيل القوية الشديدة. وهرَابذ: جمع هِرْبذ. وهو خادم نار المجوس.
وشهر زور: مدينة في العراق. وانظر تاريخ الطبري 2/47-48.
(2) -دراسات في الأدب العربي ص 310. ومشنقة : مزمومة في حال استعداد.
(3) -معجم البلدان:(رأس العين).