إنّ الأبيات تظهر التعلّق بالأرض والأهل معاً، فابنة عمرو بل عمرو بكى من وحشة الغربة، وتذكّر أرضه وأخواله وأعمامه. وثمة مغترب بل مهاجر إلى يثرب (هو بلال رضي الله عنه) أصابته الحمَّى، فكان يتذكر مكة، وليس له أهل فيها، ويرفع صوته قائلاً (1):
ألا ليتَ شِعرِي هَلْ أبيتَنَّ لَيْلَةً ... بوادٍ وحَوْلي إِذْخَرٌ وجَليلُ
وهَلْ أَرِدَنْ يوماً مِياه مَجَنَّةٍ ... وَهَلْ يَبْدُوَنْ لي شَامَةٌ وطَفيلُ
والحنين إلى الوطن لاتبعثه متاعب الاغتراب، وظلم الأجانب دائماً، فقد يكون المغترب معزّزاً مُكرّماً ومشتاقاً إلى وطنه أيضاً، فالمسلمون في يثرب كانوا يكرمون بلالاً، ولكن ذلك لم يصرفه عن التعلّق بمكة التي عاش فيها، وأبو الطمحان القيني كان مكرّماً لدى نديمه الزبير بن عبد المطلب ولكنه اشتاق إلى موطنه، وآثر العودة إليه، على الإقامة في مكة(2)، ولمثل ذلك وصف الأعشى نفسه قائلاً (3):
واضعاً في سَرَاة نَجْرانَ رَحْلي ... ناعِماً غَيْرَ أَنَّني مُشْتَاقُ
في مطايا أَرْبَابُهُنَّ عِجَالٌ ... عَنْ ثَوَاءٍ وَهَمُّهُنَّ العِراقُ
إنّه مقيم بين سادة نجران، مُنَعّماً، ولكنّ نفسه مشتاقة، وحوله مطايا، أصحابها- مثله- ليس لهم همّ إلاّ الوصول إلى العراق.
ولعلّ خير شعر يظهر العلاقة المتينة بين المغترب ووطنه قول حاتم الطائي وهو في الحيرة مخاطباً جَبَلي طيّئ(4):
فَقُلْتً: ألا كيفَ الزّمانُ عَلَيْكُما ... فقالا: بِخَيْرٍ، كلُّ أَرْضِكَ سائِلُ
(1) -العقد الفريد 5/ 282.
(2) -انظر الأغاني 13/15-16.
(3) -شرح ديوان الأعشى ص 228. وانظر مثل ذلك في معجم البلدان: (شأم).
(4) -ديوان شعر حاتم ص 270.