وأسْلَمَ عِرسَهُ لما التقينا ... وأَيْقَنَ أَننا صُهْبُ السِّبَالِِ
إنّ الصهبة تدل دلالة لغوية واضحة على النسب الأعجمي الرومي، وقد أيّد الشعر الجاهلي ذلك، ولكن واقع حال الجاهليين يخالف ذلك، فثمة صرحاء جاهليون عُرفوا بالصهبة، فقد وُصِفَ سلمى بن مالك وعوف بن الأحوص العامريان بأنهما كانا ((أحمرين أشقرين ضخمة أنوفهما))(1)،وكان المغيرة بن شعبة الثقفي ((أصهب الشعر جداً))(2). وهذا يعني أن الجنس العربي، جنس الصرحاء، لم يكن نقياً، وأن دماء أعجمية قد اختلطت فيه، وأنَّ ما استقصي في الحديث السابق عن النسب المختلط لا يمثل إلا جزءاً يسيراً من الحقيقة، فكثير من الصرحاء هم من نسب مختلط، وربّما كانوا أعاجم، استوطنوا في الجزيرة العربية، والتحقوا بنسب إحدى الجماعات الأبوية الصريحة (3)، فتخلقوا بأخلاق الصرحاء، وضاعت أصولهم الأعجمية في مجاهل التاريخ الذي تكفّل بتحقيق الوحدة والانسجام بين الجماعات الإنسانية المتعايشة معاً، وتكفّل بإلقاء حجب كثيفة على الأصول الأعجمية للجماعات التي عايشت الصرحاء، وتخلقت بأخلاقهم، والتحقت بأنسابهم، ولذلك أرى في قول شهاب اليربوعي يخاطب امرأ القيس(4):
ذَاكَ وكَمْ سَوْداءَ كْنِدِيَّةٍ ... تَسْتَقْبِلُ القومَ بِوَجْهٍ كالجِعَالِ
قَايَظْنَنَا يأكُلْنَ فِينا ... قِدّاً ومَحْرُوتَ الخُمَالِِ
(1) الأغاني 11/153.
(2) المصدر السابق 16/110.
(3) تحدث د جواد علي عن تعذر وجود وحدة دموية تجمع شمل القبائل العربية، وأشار إلى دراسات وأخبار تدل على وجود أصول حاميّة وهندية وأوربية يرجع إليها بعض العرب(انظر المفصل في تاريخ العرب 1/478-481).
(4) ديوان امرئ القيس ص211. والجعال: خرقة تنزل بها القدر. وقايظننا: أقمن عندنا القيظ كله. ومحروت الخمال: أصول الخمال، وهو شجر يكون في الرمال. والبيتان من قصيدة مختلفة البحور، مضطربة الوزن.