الثاني: أن يكون في جانب الإثبات: وهو أن يستنتج المستدل من الدليل أمراً يتوهم أنه محل النزاع، أو لازم مذهب الخصم، فيقول الخصم أنا أقول بموجبه لكنه ليس محل النزاع، ولا يلزم مذهبي. مثاله: أن يقول المستدل: القتل بالمثقل قتل بما يقتل غالباً فلا ينافي القصاص، فيجب فيه القصاص قياساً على الإحراق بالنار. فيقول المعترض: سلمنا أنه لا ينافي القصاص، لكن ليس هذا محل النزاع، وإنما محل النزاع هو وجوب القصاص ولم يستلزمه دليلك وهو قولك: قتل بما يقتل غالباً لا ينافي القصاص؛ لأن الدليل على الأعم ليس دليلاً على الأخص.
الثالث: أن يرد لشمول لفظ المستدل صورة متفقاً عليها، فيحمله المعترض على تلك الصورة ويبقى النزاع فيما عداها. مثاله: قول الحنفي مستدلاً على أن الخيل تجب فيها زكاة العين؛ لأنه حيوان يسابق عليه كالإبل فتجب فيها الزكاة. فيقول المعترض: نوافقك أنه يجب فيها الزكاة إذا كانت من عروض التجارة، وليس هذا محل النزاع، ولا لازمه، والنزاع هو في زكاة العين، ودليلك مطلق، والمطلق يتحقق ولو في صورة واحدة لأنه لا عموم له، وقد عملنا به في زكاة التجارة، فدليلك لم يثبت ما تدعيه.
الرابع: أن يذكر المستدل إحدى المقدمتين، ويسكت عن الأخرى، ظناً منه أنها مسلمة. فيقول الخصم بموجب المقدمة، ويبقى على المنع لما عداها. مثاله: قول الشافعي في وجوب نية الوضوء: كل قربة شرطها النية كالصلاة، ويسكت أن يقول أن الوضوء قربة. فيقول المعترض: هذا مسلم، وأقول به، ولا يلزم اشتراطها في الوضوء. فمراد المستدل أن الوضوء وإن كان محذوفاً لفظاً، فهو مذكور تقديراً، والمجموع يفيد المطلوب. ولو ذكر المستدل صغرى قياسه وهي الوضوء لمنعها المعترض. وخرج عن القول بالموجب إلى المعارضة.
وقد ذهب الجدليون إلى أن القول بالموجب ليس من قوادح العلة؛ لأن القول بالموجب تسليم له، فيكون مفسداً؟
وذهب كثير من الأصوليين كالرازي والآمدي وإمام الحرمين وغيرهم أنه من قوادح العلة. ووجهه أنه إذا كان فيه تسليم فوجب ما ذكره المستدل من الدليل، وأنه لا يتناول موضع الخلاف، علمنا أن ما ذكره ليس بدليل الحكم الذي قصد إثباته (1).
والفرق بينه وبين المعارضة أن حاصله يرجع إلى خروج الدليل الصحيح عن كل النزاع، والمعارضة فيها إعتراف بإن للدليل دلالة على محل النزاع (2).
القادح الخامس: عدم التأثير
وهو بدء وصف في الدليل مستغنى عنه في إثبات الحكم أو نفيه (3). وهو دعوى المعترض: بأن الوصف المعلل به غير مناسب للحكم، وذلك لكون الوصف اختل فيه شرط من شروط العلة، فلا يكتفي به في التعليل.
القدح بعدم التأثير له شروط (4)
أولاً: أن يكون القياس المقدوح فيه قياس علة (قياس المعنى) المشتمل على المناسب: أي أن العلة المشتركة بين الفرع والأصل ثبتت بالمناسبة.
ثانياً: أن تكون العلة مستنبطة.
ثالثاً: أن تكون العلة مختلف فيها، لأن المنصوصة والمستنبطة المجمع عليها لا يشترط فيهما المناسبة.
قسم الأصوليون عدم التأثير إلى أقسام:
أولاً: عدم التأثير في الوصف.
وذلك بأن يكون الوصف المأخوذ في الدليل طردياً لا مناسبة فيه ولا شبه. مثاله: قول المستدل: صلاة الصبح، قلا تقدم على وقتها، كالمغرب. فيقول المعترض: عدم القصر وصف طردي بالنسبة إلى وصف التقديم إذ لا مناسبة فيه ولا شبه، لأن عدم التقديم موجود في الظهر والعصر، مع أن كل منهما يجوز فيها القصر.
ثانياً: عدم التأثير في الأصل.
وهو كون المعترض يبدي علة لحكم الأصل خلاف علة المستدل، مثاله: كما إذا قال المستدل في بيع الغائب: مبيع غير مرئي فلا يصح بيعه، كالطير في الهواء، والسمك في الماء. فيقول المعترض: هذه العلة ـ وهو كونه غير مرئي ـ لا تأثير لها في الأصل؛ لأن عدم الصحة يوجد في الطير إذا كان مرئياً، فالطير في الهواء مرئي ولا يجوز بيعه، فالعلة إذن هي العجز عن التسليم.
وهذا النوع يتداخل مع المعارضة في الأصل، لأن المعترض يلغي من العلة وصف، ثم يعارضه المستدل بما بقي (5).
الثالث: عدم التأثير في الأصل والفرع جميعاً، وذلك بأن يكون لذكر الوصف فائدة في الحكم.
وقد تكون ضرورية، مثاله: كقول من اعتبر العدد في الاستجمار بالأحجار: عبادة متعلقة بالأحجار لم تتقدمها معصية فاشترط فيها العدد كالجمار. فقوله لم تتقدمها معصية عديم التأثير في الأصل والفرع معاً، ولكنه مضطر لذكره احترازاً عن الرجم فإنه عبادة تتعلق بالأحجار ولا يعتبر فيها العدد. قال أبو إسحاق
(1) انظر البحر المحيط (5/ 300)، وشرح الكوكب المنير (4/ 347).
(2) البحر المحيط (5/ 299)، إرشاد الفحول (2/ 223).
(3) الأحكام للآمدي (4/ 89).، البحر المحيط (5/ 284)، وشرح الكوكب المنير (4/ 264)، تهذيب شرح الأسنوي (3/ 135).
(4) البحر المحيط (5/ 284)، نثر الورود على مراقي السعود (2/ 534).
(5) إرشاد الفحول (2/ 217)، مذكرة أصول الفقه (206).