يعلل به إذ قد يمتنع ذلك لمعارضة ما هو أولى منه. والنقض برائحة الخمر يدفعه القيد الذي ذكره أهل الأصول وهو أنهم جعلوا الوصف في مسلك الدوران يشترط فيه المناسبة أو احتمالها، فإن كان طرداً محضاً علم قطعاً أنه غير العلة ولو دار معه الحكم وجوداً وعدماً كرائحة الخمر المذكورة.
والجواب عن الثاني: أنها حجة ضعيفة وذلك إن كان كل من الطرد والعكس لا يؤثر منفردا، لا يمنع من تأثيرها مجتمعين، لأن المجموع يفيد ما لا يفيده الإفراد، فالاحتجاج بمجموع الأمرين. وقد روى عن الإمام أحمد اعتبار العكس عن العلة، حيث قال:“ لا تكون العلة علة حتى يقبل الحكم بإقبالها ويدبر بادبارها ” (1).
المسلك السابع: الطرد (2)
ويسمى بالدوران الوجودي، وهو مقارنة الحكم للوصف بلا مناسبة لا بالذات ولا بالتبع في جميع الصور ما عدا الصورة المتنازع فيها. وهو أضعف المسالك في الدلالة على العلة.
والفرق بينه وبين الدوران، أن الدوران عبارة عن الملازمة وجوداً وعدماً. والطرد هو الملازمة في الوجود دون العدم. ويشترط في الطرد ألا يكون الوصف مناسباً بالذات ولا بالتبع إذ لو كان مناسباً بالذات لكان قياس علة، ولو كان مناسباً بالتبع لكان قياس شبه. مثاله قول بعضهم: الخل مائع لا يبنى على مثله القناطر، ولا يصاد منه السمك، ولا ينبت فيه الزرع فلا تزال به النجاسة كالدهن. وكأنه علل إزالة النجاسة بالماء بأنه تبنى القنطرة على جنسه، واحترز من الماء القليل. وهذا وصف طردي ليس بعلة.
اختلف الأصوليون في إفادة الطرد للعلية: فمن قال من العلماء بعدم حجية الدوران، قال بعدم حجية الطرد من طريق الأولى.
ومن قال بحجية الدوران اختلفوا في حجية الطرد:
أولاً: أنه حجة وهذا قول طوائف من أصحاب أبي حنيفة، وإليه مال الرازي وجزم به البيضاوي. وحجتهم: أن وجود الحكم مع الوصف في جميع الصور ما عدا صورة النزاع غلب على الظن أن يكون الوصف علة إلحاقاً للنادر بالأغلب، فلو لم يجعل لهذا الوصف علة للحكم لخلا الحكم عن العلة، فيخلوا عن المصلحة، وهذا خلاف ما ثبت بالاستقراء من أن كل حكم لا يخلوا عن مصلحة. وحيث ثبتت عليته في غير المتنازع فيه ثبتت العلية في المتنازع فيه كذلك إلحاقاً بالأغلب.
الثاني: ذهب بعضهم إلى أنه ليس بحجة مطلقاً، وهو مذهب أكثر الأصوليين. واحتجوا بأن
(1) شرح الروضة لابن بدران (2/ 289).
(2) المحصول (5/ 221)،المحلى على جمع الجوامع (2/ 291)، البرهان (2/ 23)، البحر المحيط (5/ 248)، الإبهاج (3/ 78)، الروضة (2/ 291)، شرح الكوكب المنير (4/ 195)، إرشاد الفحول (2/ 198)، تهذيب شرح الأسنوي (3/ 197)، نثر الورود على مراقي السعود (2/ 519)، مذكرة أصول الفقه (262).